العملية النقدية ماهي إلا سبيل اتخذته القراءة للوصول إلى كنه النصوص الأدبية وما تحمله من مواقف ووجهات نظر من الحياة ومن ثم محاولة إخراج الغاية من عملية الإبداع، فمنذ إن وجد الإنسان وجد معه البحث عن الجمال ومحاولة محو معالم القبح وبالتالي تلوين معالم الجمال بألوان فاتحة هذه الألوان هي محطات جذب للإنسان الآخر،
أي إن النص الأدبي يبث الإشارة من المبدع إلى المتلقي بالألوان أعلاه ليكون محطات جذب واثارة إشكالية الاندهاش في المتلقي، لتخلق عنده الانحياز لمنظومة النص بإشاراته الباثة كما نوهت سواء كانت إشارات مرئية اولامــرئية، المهم هي بحث عن الجمال.
إذن القراءة المدربة التي تغوص نحو أعماق النص هي منهج لم يكتمل بعد، لأننا أمام تساؤل مهم ممكن من خلاله نسف عملية الإبداع والخروج على الحقيقة والتساؤل هو هل إن المبدع يصمم إبداعه وفق منهج معد سلفا أي إن الشاعر أو القاص يقول مع نفسه اليوم سوف اكتب قصيدتي أو قصتي وفق المنهج الفلاني؟ أيعقل هذا الطرح الساذج؟ أكيد لا يعقل، لأنه من خلال طبيعة الإبداع الذي ينبع من ذات امتلكت الحرية واستساغت ينابيع الارتواء من عوالمها الرحبة في الدخول الى مواطن الجمال لايمكن ان يحد بحد سلفا.
إذن النص عالم خلق في ساحات الحرية والقراءة دخول مفترض في هذه الساحات يقول الدكتور عناد غزوان: (الحديث عن عملية النقد بمعنى انه علم أو مجموعة حقائق علمية، حديث نظري مطلق يؤدي بالأصول الذوقية والفنية للتجربة الأدبية ذاتها وتقنين حسها تقنينا يبعدها عن كونها جذوة فكرية شعورية منتزعة من وجدان شاعر أو أحساس روائي أو حماس مسرحي أو رؤية نقية لكاتب مبدع او مقالي موهوب، أو نقد خلاق لمفكر أدبي) وهذا يتسق تماما مع ساحات الحرية في الإبداع، لكن قد تشترط القراءة ـ لأجل المسك بزمام الأمور ـ المنطق، لأنها هدم وإعادة بناء لوحدات النص، فالهدم حالة واعية تعكزت على القصدية، بيد إن البناء قد يتخذ طريقا في التصوف والذوبان مع استلال المعنى وإخراجه، كمكتشف من مكتشفات القراءة، ثم تستوي العمليتان في تحديد مكانة النص واستحقاقاته اللاحقة في البقاء وتحديد درجة خلوده، فالنص بحث عن حقيقة جمالية والقراءة بحث عن حجم الوصول إلى هذه الحقيقة ولاشك منطلقاتها هي النصوص ليس إلا، فالقراءة لابد أن تتعكز على علمية معينة، لأنها هي محاولة من طرف خفي لخلق منهج أو رؤية قابلة بنفس الطريقة الدخول إلى نصوص قريبة الشبه بهذا النص وبالتالي فليس هناك قراءة ذكية استردت معنى ما من نص ما اعتمدت منهجا واحدا في مسارها، فكما هو النص الإبداعي المكثف يحمل الكثير الكثير لابد أن تكون القراءة ذات وجهات نظر متعددة في المعالجة والنتيجة التي تقبل الاحتمال إن لاتوجد قراءة بمنهج واحد، ولكن كما نوهت بان القراءة تشترط المنطق، فليس من المعقول الدوران في حلقات مفرغة أي الاستمرار بالهدم دون وعي النص والخروج منه بامتلاء الرؤية معنى وجمال، وفي حالة الدوران المفرغ فان العملية النقدية تكون منقصة واعتداء على النص ومنقصة للقراءة وهي إنذار مبكر بان الساحة أصبحت بؤرة لاستقبال الطارئين المتحذلقين الذين يحبون الظهور غير المجدي حبا جما راكبين الدوران اللغوي الفارغ ومما لاشك في الأمر ولاريب فيه بان هولاء لا يستطيعون الثبات ولا المواصلة بسبب ان القراءة المدربة أي النقدية هي عبارة عن مناهج قد توضحت معالمها ومناهج مولدة وفق مواصفات اللغة ومواصفات الذوق والسياقات الحياتية سواء كانت سياسية او اجتماعية أو حضارية أي الاعتماد على السياق لان(السياق هو المرجع الذي يحال إليه المتلقي كي يتمكن من إدراك مادة القول..) أي هوية النص يقول رولان بارت: (إن الطلائعية ليست سوى شكل مطور للماضي، واليوم انبثاق من الأمس) (والنص يوجد هويته بواسطة شفرته"أسلوبه" ولكن هذه الهوية لاتكون بذي جدوى إلا بوجود السياق، فالسياق ضروري لتحقيق هذه الهوية) فالشعر الجاهلي والفترات التي تلته حتى العصر الحديث اختلفت سياقاتها، كان الشعر على البحور الخليلية هذا سياق ثم أصبح على منوال التفعيلة وبقي فترة مرفوضا حتى تصير سياقا استقبلته الذائقة ثم تم ظهور القصيدة النثرية كوجود وكان غير مرغوب فيها حتى أصبحت سياقا شعريا معتبرا من قبل الذائقة، فهل تغفل القراءة النقدية هذه السياقات وتأتي مقطوعة الجذور، وإذا غفلت أصبحت قراءة غبية الأولى بصاحبها إن يركب موجة إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.. وهكذا يستوي الكلام النقدي في منهج مرن يستوعب الحوارات المتعددة للنصوص.
كتاب(التحليل النقدي والجمالي للأدب)الدكتور عناد غزوان
دار أفاق عربية للصحافة والنشر لسنة 1985 ص12
كتاب(الخطيئة والتكفير) عبدا لله الغذامي المركز الثقافي العربي طبعة 6 لسنة 2006
ص 11/13/14