ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة
موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Ououoo10
ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة
موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Ououoo10
ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة

منتــــــــــــــــــــدى منـــــــــــــــوع موسوعــي
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول
لكل الكرام المسجلين في منتديات ليل الغربة ، نود اعلامكم بأن تفعيل حسابكم سيكون عبر ايميلاتكم الخاصة لذا يرجى العلم برفقتكم الورد والجلنار
موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Colomb10
موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10سأكتب لكم بحرف التاسع والعشرين ..موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10 موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10لكل من هُجرْ ، واتخذ من الغربة وطناَ .موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10لكل من هاجر من اجل لقمة العيش ، واتخذ من الغربة وطناً موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10لكم جميعا بعيدا عن الطائفية والعرقية وغربة الاوطان موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10نكتب بكل اللغات موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10للأهل والاحبة والاصدقاء موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10نسأل ، نستفسر عن اسماء او عناوين نفتقد لها موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10نهدي ،موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10نفضفض ، موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10 موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10نقول شعرا او خاطرة او كلمة موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Yourto10اهديكم ورودي وعطر النرجس ، يعطر صباحاتكم ومساءاتكم ، ويُسكن الراح قلوبكم .
موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Colomb10احتراماتي للجميع

 

 موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Fati
المديــــر العــام
المديــــر العــام
Fati


اسم الدولة : فرنسا

موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Empty
مُساهمةموضوع: موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي   موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Icon_minitimeالأحد يونيو 07, 2009 1:37 pm


موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي



تمهيــد :
في أواخر الستينات من القرن الماضي، تولدت من رحم البنيوية حركة نقدية اتجهت نحو التشكيك في العقلانية الغربية،
ووضعها موضع التساؤل، ومحاكمتها وإبراز تناقضاتها والسعي إلى تقويض مبادئها ومقوماتها ومقولاتها التأسيسية: الجوهر، النسق، الهوية، الحقيقة، التطابق، الإنسان والإنسانية، العقل والعقلانية، المعنى والدلالة … إنه حقا انقلاب معرفي خطير زلزل مؤسسة العقل وهزها من جميع أركانها، تلك المؤسسة التي شكلت إله الحضارة الغربية منذ القرن السابع عشر، التاريخ الرسمي لقطع الصلة بإله الكنيسة ودينها، ووحيه الجديد: العلم الذي بلوره فكر النهضة ليترجم به عقيدة الإله الجديد.( )
فمنذ القرن السابع عشر، أحيط العقل بقدسية لا مثيل لها، واعتبر هو ودينه الجديد، الوسيلة الوحيدة التي ستمكن الإنسان من تحقيق السعادة النهائية والرفاهية المطلقة، ومن السيطرة على الطبيعة حتى يكون سيد الكون، وأيضا المؤسسة الوحيدة المعترف بها بعد أفول مؤسسة الكنيسة الكهنوتية، وكذلك الطريق الوحيد المؤدي إلى المعرفة الحقيقية واليقينية. وبالمقابل، تم إقصاء كل شكل من أشكال المعرفة الأخرى سواء كانت مستمدة من الدين أو التصوف، أو من تأمل نظري لا يستند إلى تجربة، فقد نزعت العقلانية الغربية إلى إسقاط كل ما هو خارق للطبيعة أو غيبي من الكون ولم تبق إلا على ما هو طبيعي على اعتبار أنه هو المعقول. وعلى طول هذه المدة، ظل العقل / العلم بعيدا عن كل شك في وثوقيته وثباته، بل أكثر من ذلك، تم وصل العقل بالإنسان و بالمعرفة ، حتى اعتبر العقل هو الإنسان ذاته، والمعرفة هي العقل.( ) أما هيجل ( F . Hegel ) فقد اعتبره جوهر الكون الذي لا يوجد الواقع الحقيقي ويضمن بقاءه إلا به وفيه، وهكذا اعتبر الإنسان، بعقله، مركز الكون ومقياس الأشياء كلها: " أليس العقل هو الذي جعل من الإنسان مركزا ومقياسا لكل الموجودات؟"( )
لكن مع بداية القرن العشرين – العقد الثاني منه خاصة – استفاقت هذه المؤسسة على إيقاع زلزال عنيف رج أركانها، فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى والتي، بسبب من انتصار العقلانية الغربية وتطبيقات العلم التكنولوجية، أدت إلى تدمير شامل لأوربا ، وكشفت عن أوهام العلم بتحقيق الطمأنينة والسعادة للإنسان فتحول بذلك إلى عار على الحضارة الغربية بعدما كان شرفا ومجدا لها حسب عبارة شهيرة لبول فاليري عام 1919. وانتهت الحرب العالمية الأولى، ولم يمر إلا زمن قصير حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، فزادت الفاشية الألمانية من تعميق الجرح. يقول جاك جوليار:" وفجأة، ومع مرور زمن ليس بالطويل، تحدث هذه القفزة الكبرى في بحر الهمجية الأكثر قدما، إنها الحرب الكبرى. وبالنسبة لنا – نحن الأوربيين – لم نتمكن من استيعاب وهضم هذا التوقف الفجائي للحضارة، وبهذا كانت فردان (Verdun) مقبرة للآمال العالقة بالعقل البشري. ولم تمض خمسة عشر سنة بعد على الهدنة التي لم تحل أي مشكل ( بين الدول المتحاربة )، وعلى توقيع معاهدة فيرساي التي عقدت الأمر أكثر حتى ظهر فجأة هتلر ليطلق رصاصة الرحمة على ديانة القرن التاسع عشر، وأن يكون البلد الذي أنجب جوتة وبيتهوفن واينشتاين هو نفسه الذي أنجب داشو(Dachou) واشويتز (Auschuoitz)".( ) أضف إلى ذلك استخدام أمريكا للقنبلة الذرية لأول مرة في التاريخ، وحرب الفيتنام وما خلفته في نفوس الأوربيين والأمريكيين من حقد ويأس. كل هذه الأحداث كان لها وقعها الخاص والخطير في نفس الإنسان الغربي، إذ ولدت لديه حالة من اليأس والشك في عصر التنوير ومشروع الحداثة بجميع قيمه ومبادئه والأسس التي قام عليها، بما في ذلك العقل والإنسان، وفكرة التقدم والتحرر… بل والثورة عليه ورفضه بكل مراحله وإنجازاته، وقد كانت ثورة الطلاب الفرنسيين (عام 1968) تعبيرا صارخا عن هذا الشك والرفض.
وإضافة إلى هذه الزلزلة التي شهدها العلم من الخارج، شهد أيضا، وبموازاة مع ذلك، هزة من داخل مؤسسته، تمثلت في الهزات النظرية التي عرفتها الفيزياء مع بداية القرن العشرين، والمتمثلة في الثورتين العلميتين اللتين دشنتهما كل من النسبية والفيزياء الكوانتية، وهو ما دفع بالعلماء إلى إعادة النظر في صياغة كل الجهاز المفاهيمي الذي تأسس عليه العلم الحديث بعدما كشف عن عجزه وقصوره عن استيعاب هذه التطورات.( )
حينئذ سيتم اكتشاف أن القدسية التي أحيط بها العلم، وثقتنا به، لم تكن تعود بالأساس إلى صحة نتائجه، ولكن إلى قدرته على إقناعنا " بأن كل ما يبدو بديهيا ليس بالضرورة صحيحا وكل ما يبدو ساحرا أو غير محتمل أو فريدا، أو ضخما أو ميكروسوكبيا أو قاسيا أو وحشيا إنما هو علمي".( )
في ثلاثينات القرن العشرين، ظهرت مدرسة فرانكفورت ووجهت نقدا عنيفا لأفكار عصر الأنوار ولمشروع الحداثة برمته. لقد جاء العقل لتحرير الإنسان الغربي من سلطة الكنيسة وكهنوتها، ولكنه انحرف عن مساره وتحول إلى قوة قمعية، شأنه في ذلك شأن العلم الذي تحولت منتجاته التكنولوجية إلى جبرية تمارس سلطتها على الإنسان، وهكذا تم تعويض سلطة الكنيسة بسلطة أكثر هيمنة وقمعا، ولذلك رأت مدرسة فرانكفورت في مشروع الحداثة مجرد "هيمنة عقلانية ونفعية للطبيعة وللحاجات، لدرجة أن العقل اندمج مع السلطة، وأصبح طاغيا. ذلك أنها طوعت لنفسها عقلا أداتيا اتخذت منه أداة في خدمة رأس المال فتخلت بذلك عن قوته النقدية. إضافة إلى أن العلم الحديث وجد نفسه بهذه الكيفية في خدمة المردود التكنولوجي بصفة كلية، مما أدى إلى تحول أسطورة العقلانية النفعية إلى قوة مادية."( )
وقد مهدت مدرسة فرانكفورت الطريق لبروز خطاب" ما بعد الحداثة"، والذي تبلور كتحد لنزعة الحداثة وتجاوز لقيمها، وهو خطاب لا يمكن الحديث عنه إلا في سياق الشك الشامل الذي أصبح يشكل سمة العصر الحالي.
وفي ظل هذا الشك الشامل، وهذا الانقلاب المعرفي الخطير في وعي المجتمع الغربي، ظهرت التفكيكية التي لا يمكن دراستها تاريخيا بمعزل عن هذا الشك:" لقد ظهرت التفكيكية في بداية دورة جديدة لثنائية اليقين والشك."( )
لقد شكلت ثنائية الشك واليقين جوهر الفلسفة الغربية منذ ديكارت الذي اعتبر الشك طريق اليقين، مرورا بتجريبية القرن السابع عشر والتي رأت في سلطة الحواس طريقا لتحقيق مثل هذه المعرفة اليقينية، وصولا إلى كانط و المثالية الألمانية التي شككت في قدرة الحواس على تحقيق مثل هذه المعرفة، واستبدلت سلطة الحواس بمقولات العقل السابقة والمتعالية، غير أن شك العصر الحالي يتميز بأنه شك شامل، وبأنه ليس وسيلة تؤدي إلى غاية، فشك التفكيكية، الرافضة للنظام وسلطة التقاليد والمركز، ليس شكا في صيغته الديكارتية، لأنه لا يروم تحقيق اليقين، فهو لا وجود له أصلا، إنه إذن شك يشكل غاية في حد ذاته،" إن التفكيك إفراز عصر الشك الشامل الذي خيم على كل شيء، فاستحالت معه المعرفة اليقينية وفقد العالم محور ارتكازه. وهي أمور تفسر لا نهائية الدلالة القائمة على استحالة المرجعية لأي سلطة خارجية، ليست موجودة أصلا، ونفي وجود التفسيرات الموثوقة أو المعتمدة، والنتيجة؟ إطلاق المعنى، كرنفال باختين ودوائر يرسمها بارت في الهواء."( )
لقد كان الشك في فاعلية النموذج البنيوي نقطة انطلاق التفكيكية،( ) فقد وضعت "ما بعد البنيوية" البنيوية موضع شك يضاهي الشك في قدرة العقل والعلم على تحقيق الأمان والطمأنينة، بل إن الشك في البنيوية هو في عمقه شك ورفض للعلم وللمنهج العلمي، ذلك أن البنيوية ارتبطت تاريخيا بتقدم العلم والتكنولوجيا، وسيطرة العلم على روح العصر، وجرى ربطها بالمذهب التجريبي لأنها كانت تسعى أساسا إلى تحقيق "علمية الأدب" بتأسيس مذهب نقدي أساسه المنهج العلمي التجريبي،( ) وهو ما لم يتحقق لها أبدا، من هنا التناقض الداخلي الخطير للنقد البنيوي، التناقض بين ما كانت تطمح إلى تحقيقه وبين المتحقق فعلا، فالعلمية مناقضة لطبيعة الأدب نفسه، وهو ما اكتشفته البنيوية في آخر لحظات حياتها، وتراجع بارت عن القول بعلمية الأدب ليطرح اللذة كبديل.

• تقويض فلسفة الأنا وميتا فيزيقا الحضور:

 موت الإله:
" إنه لأمر جد مستغرب، ألا يسمع هذا الشيخ
في غابة أن الإله قد مات."(فريدريك نيتشه).( )

تشكل الفكر الغربي وفق قاعدة أو مبدأ يقول بأن الإنسان مقياس الأشياء كلها، لكن في فكر ولده عصر الشك الشامل، فكر يسعى في اتجاه تحطيم ونسف كل القديم، تقويض فكرة الله، الذات، العقل، الإنسان… بعبارة جامعة، تقويض كل ما يمكن أن يشكل مركزا خارجيا ثابتا يمكن الإحالة إليه، ويكون ضامنا للوحدة والدلالة، تنقلب هذه القاعدة رأسا على عقب فتصبح: الإنسان لا يساوي شيئا، في أحسن الحالات، أما في معظمها، فالإنسان لا وجود له أصلا‍‍! فلا معنى موثوق به، ولا شيء مقدس، ولا وجود للمتعالي والمتسامي… ولا شيء غير التعدد والاختلاف، واللعب الحر للمدلولات، والدلالة اللانهائية، "ومعنى مراوغ وحضور في غياب وغياب في حضور، وتكسر الوحدة، والتشرذم والانتشار"،( ) بكلمة: الفوضى والعدم!
تميزت فترة الستينات ببروز ملحوظ للتيارات الفلسفية المنتقدة للنزعة الإنسانية، وهي تيارات ليست مقطوعة الصلة بجذورها، بل ساهمت في رسم ملامحها وتحديد توجهاتها عدة شخصيات، بدءا بكوبرنيك وصولا إلى دارون وماركس ونيتشه وفرويد.
فكوبرنيك قوض نظرية مركزية الأرض التي قال بها بطليموس وتبنتها الكنيسة، وهي النظرية التي كانت " قد عودت الإنسان على الحياة في عالم مغلق هو له بمثابة المركز."( )
وهو بذلك يكون قد قوض مركزية الإنسان، وكشف له أنه هو وكوكبه لا يمثلان سوى" نقطة لا متناهية الصغر وعادمة الشأن في بحر المجرات والأفلاك الذي لا قرارة له."( )
وألحقت الداروينية ثاني إذلال لها بهذا الكائن حينما بينت انتماءه إلى عالم الحيوان، عالم يحكمه الصراع من أجل البقاء.
أما ثالث جرح ألحق بكبرياء الإنسان، فقد كان على يد فرويد ( Sigmund Freud)، بتحليلاته النفسية، والتي أكدت على جبرية الحياة النفسية. وباكتشاف فرويد لمفهوم اللاشعور يكون قد قوض أهم ركائز الشخصية الإنسانية المتمثلة في العقل والوعي والإرادة الحرة، إذ لم تعد تتحدد أهمية الإنسان" في كونه عاقلا ولا في كونه ذاتا قاصدة وواعية متحكمة في نفسها ومواضيعها الخارجية، بالمعنى الديكارتي، ولكن بوصفه كائنا حيويا له حاجياته ورغباته المرتبطة بدوافع الغريزة وحاجيات الجسد، حيث إن سلوك الإنسان يرتبط بدوائر اللاوعي أكثر من ارتباطه بالوعي، وباللاشعور أكثر من الشعور، وباللاعقل أكثر من العقل."( )
أما كارل ماركس (Karl Marx)، فقد قوض فكرة الفردية واستقلالية الذات التي أكدت عليها كل من الرومانسية والوجودية، وأكد، مقابل ذلك، على قيمة البنية والطبقة والعلاقات الاجتماعية على حساب الفرد والوعي والإرادة الحرة."( )
غير أن التأثير الكبير في الخطاب الفلسفي المعاصر، كان لنيتشه (F. Nieetzsche) بتحليلاته الجنيالوجية، وبحكم نزعته النقدية الجذرية.( ) إن الفلسفة المعاصرة مدينة بشكل كبير لهذا الفيلسوف الألماني الذي كثيرا ما وصفت فلسفته بالعدمية والعبثية والفوضوية .
وبرغم أن فلسفته لم يكن لها أي وقع أو تأثير في حينها، فإنها قد أصبحت مع مرور الزمن تراثا فكريا اتجه إليه الجميع للاحتماء به في مواجهة العقل والعقلانية الأنوارية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كانت فلسفة نيتشه قد وجهت نقدا عنيفا للعقل الأنواري، وللتراث الفلسفي الغربي برمته، ومقولاته عن العقل والمنطق والحقيقة.
وقد اتجه نيتشه إلى تقويض العقلانية الغربية من عدة زوايا:
"1- رفض القول بمنطقية الوجود أو اعتبار الحقيقة مجرد نوع من المطابقة بين الفكر والوجود، استنادا إلى آليات الاستدلال المنطقي مثلما درج على ذلك التراث الفلسفي الغربي.
2- ضرب الثنائيات الوجودية والفكرية التي تمثل دعامة وسندا للقول الفلسفي التقليدي مثل المقابلة بين الحقيقة والخطأ، والحسي والظاهر والباطن والروح والجسد، والفكر والوجود."( )
فقد أكد نيتشه على نسبية الحقيقة، وأهمية الخطأ والوهم، معتبرا أن العقل لم يتولد عنه عبر التاريخ إلا الأخطاء، ومن هذه الأخطاء ما ثبت نفعه، فلا داعي، إذن، للمقابلة بين الحقيقة والخطأ، بين العقل واللاعقل، فكل شيء نسبي وخاضع للتأويل. وتراه لذلك يقيم مكانة مخصوصة للخطأ والوهم مؤكدا على أنهما" شرطين لازمين للوجود الإنساني الحي، لأنه لا يمكن - في رأيه – تصور حياة الإنسان دون "كمية محدودة من الوهم" على الأٌقل. ولأن الحقيقة " قاتلة " ولا يمكن احتمالها على حد تعبيره. ولذلك فهو يرى أن الناس ينزعون إلى معايشة الأوهام كما لو كانت حقائق أساسية بغاية حفظ تماسكهم الوجودي."( )
وتعد بداية العقد التاسع من القرن التاسع عشر لحظة خطيرة وفاصلة في مسيرة الفلسفة الغربية برمتها، فهي تشكل تاريخ الإعلان الرسمي عن "موت الإله". وميلاد "الإنسان المتفوق" الذي يفوق بقدراته الإنسان العادي. يقول نيتشه:" لقد أتيتكم بنبأ الإنسان المتفوق."( )
وبعد إعلان نيتشه عن " موت الإله "، ونفيه للاهوته، لم ير فائدة في الإبقاء على الديانة المسيحية وأخلاقها التي تدعو إلى التسامح ومحبة الغير واللطف والخير… فاتجه إلى إقامة القطيعة مع هذه الأخلاق، وتحديد ملامح الديانة والأخلاق الجديدة، فكان" العود الأبدي" هو الدين الجديد الذي ابتدعه.( ) أما أخلاقه فهي"أخلاق القوة"، فالقوة وحدها هي التي ستغدو الفضيلة الوحيدة وأساس كل أخلاق جديدة.( )
 موت الإنسان :

" إن الإنسان سوف يندثر، مثل وجه من
الرمل مرسوم على حد البحر."(ميشال فوكو)( )
لقد مثلت فلسفة نيتشه مرحلة تأسيسية لخطاب جديد، ولفلسفة جديدة، إنها فلسفة دق أجراس الموت، إذ ستقود صرخة نيتشه عن موت الله إلى نتيجة رآها فوكو حتمية، وهي "موت الإنسان" ونهاية النزعة الإنسانية. يقول فوكو:"… وصل نيتشه إلى النقطة التي عندها يمتلك الإنسان والله بعضهما، حيث يكون موت الأول مرادفا لزوال الثاني، وحيث إن الوعد بالإنسان الأسمى يعني أولا وقبل كل شيء حتمية موت الإنسان الوشيك."( )
هكذا، إذن، يتضح كيف أن موت الإنسان جاء نتيجة حتمية ومنطقية لموت الله، إذ ماذا تبقى للإنسان بعد تصدع جميع الضمانات؟ طبعا لا شيء غير الموت!
ويواصل فوكو حديثه عن الإنسان، فيرى أنه حديث العهد، فلم يكن له قبل نهاية القرن الثامن عشر من وجود:" فالإنسان – يقول فوكو – اختراع تظهر أركيولوجيا فكرنا بسهولة حداثة عهده، وربما نهايته القريبة."( ) لقد كان الإنسان وليد تحول عميق وانقلاب في المنظومة المعرفية الغربية وأسسها، وكل انسحاب لأسس المعرفة هذه، وهو ما يستشعر فوكو وقوعه، سيؤدي حتما إلى نهاية الإنسان الذي ارتبطت ولادته بها، لكن متى سيحدث هذا الانسحاب؟ إن هذا ما لا يعرف فوكوتاريخه وما لا يستطيع تحديد موعد له.( ) والشيء الوحيد الذي يقره، هو أن نهاية الإنسان ستكون بداية عودة الفلسفة، وأن التفكير لم يعد ممكنا "إلا داخل الفراغ الذي يتركه وراءه الإنسان المندثر."( ) فبالاحتقار والازدراء يجب أن نواجه كل أولئك الذين ما يزالون يتحدثون عن الإنسان ويتساءلون حول ما هيته، ويتخذون منه منطلقا ومعبرا للوصول إلى المعرفة…" إلى كل أشكال الفكر هذه، الخرقاء والعاجزة لا يسعنا إلا الرد بضحكة فلسفية. أي إلى حد كبير، بضحكة صامتة"!( )
 موت المؤلف :
" لقد أصبحنا نعلم أن الكتابة لا يمكن أن تتفتح على المستقبل إلا بقلب الأسطورة التي تدعمها: فميلاد القارئ رهين بموت المؤلف." (رولان بارت).( )
في العام 1968 كان كل شيء معدا وجاهزا ليخرج بارت (R. Barthes) عن صمته ويعلن للعالم أن المؤلف قد مات. لقد تم القضاء، إذن، على آخر سلطة مرجعية أو مركز ثابت يمكننا أن نحيل إليه، ونستمد منه الدلالة والمعنى، أو شرعية قراءاتنا وتفسيراتنا، إنها، حقا، لحظة تأسيسية لنمط جديد من الأدب، إنه أدب موت المؤلف.
يرى بارت أن شخصية المؤلف حديثة النشأة، فهي لا تعدو أن تكون – شأنها في ذلك شأن شخصية الإنسان عند فوكو – وليدة التحولات المعرفية التي حدثت في أوربا عصر النهضة. يقول بارت، مقتفيا أثر عبارات فوكو: " المؤلف شخصية حديثة النشأة، وهي من دون شك، وليدة المجتمع الغربي من حيث إنه تنبه عند نهاية القرون الوسطى… إلى قيمة الفرد أو " الشخص البشري " كما يفضل أن يقال."( )
وتعود أول محاولة لخلخلة مملكة المؤلف، وزعزعة مركزه الريادي الذي كان يحتله – حسب بارت – إلى الشاعر الفرنسي مالارمي ( MALLARME ) الذي أحل اللغة محل المؤلف، فاللغة هي التي تتكلم، تبلغ، وليس المؤلف الذي تمحي شخصيته عن طريق الكتابة، إن الكتابة هي امحاء حتمي للشخصية.( )
إن مقولة "موت المؤلف" ستؤدي إلى إعادة النظر في مجموعة من المفاهيم، وأولها مفهوم "النص" الذي سيتم قلبه رأسا على عقب – بتعبير بارت– إذ إنها ستمكن من رؤية النص في تناصه، أي باعتباره شبكة من النصوص المتداخلة، وتفاعلا بين نسيج من النصوص،" فالنص – يقول بارت – يتألف من كتابات متعددة تنحدر من ثقافات عديدة، تدخل في حوار مع بعضها البعض…"( )
أما ثاني هذه المفاهيم، فهو مفهوم "القصدية"، إن انسحاب المؤلف سيؤدي حتما إلى انتفاء القصدية. فالاعتراف بوجود المؤلف، ونسبة النص إليه، إغلاق للنص وإيقاف لعملية التأويل، لأن ذلك يعني التسليم بوجود معنى نهائي، وهو ذاك الذي أراده المؤلف وقصد إليه، أما دور الناقد في هذه الحالة فهو مجرد التنقيب على هذا المعنى الثابت الذي يسكن أعماق النص. في حين أن انسحاب المؤلف وانتفاء القصدية سيفسحان المجال أمام القارئ ليمارس حريته، وسيضحى النص، بذلك، فضاء متعدد المعاني، وهو ما سيفسح المجال أمام تعدد التأويلات، بل لا نهائيتها، لأنه يكون قد فقد مركزه المرجعي الذي يتحكم فيه ويعمل على تثبيت المعنى داخله. إن انسحاب المؤلف – المركز المرجعي الضامن للوحدة والدلالة – سيؤدي إلى انفتاح النص أمام لا نهائية الدلالة، وانفتاح الكتابة التي ستحرر المعنى وتولده باستمرار:" بناء على هذا – يكتب بارت – فعندما يأبى الأدب ( ربما كان من الأفضل أن نتكلم بعد الآن عن الكتابة ) النظر إلى النص ( وإلى العالم كنص )، كما لو كان ينطوي على سر، أي على معنى نهائي، فإنه يولد فعالية يمكن أن نصفها بأنها ضد اللاهوت، وأنها ثورية بالمعنى الحقيقي للكلمة: ذلك أن الامتناع عن حصر المعنى وإيقافه معناه في النهاية رفض للاهوت ودعائمه من عقل وعلم وقانون."( )
أما ثالث هذه المفاهيم، فهو مفهوم "القارئ" الذي يعد أكبر منسي في نظريات الأدب الكلاسيكية؛ صحيح أن إشكالية التلقي إشكالية قديمة ويمكن اعتبارها من القضايا التي رافقت ظهور حركة الإبداع نفسها، وصحيح أيضا أن دور المتلقي في النقد القديم لم يكن غفلا بصورة تامة، إلا أن الالتفات إلى دوره في عملية التلقي، والاعتراف به كفاعلية منتجة وصانعة للنص، لم يتم إلا مع نظريات الأدب المعاصرة. وبالمقابل تم التركيز على المبدع ودوره في توجيه المتلقين وتحقيق أثر الفن فيهم. كما أن الاهتمام كان منصبا على المؤلف( سيرته، حياته النفسية والشخصية والاجتماعية…)، والذي لم يعمل التحليل النفسي والنقد الماركسي إلا على تثبيته. ولذلك، فلقلب هذه الأسطورة، كان لا بد – حسب بارت – من قتل هذا المؤلف للانفلات من سلطته وديكتاتوريته، فميلاد القارئ – الذي لا يمكن للنص أن يوجد إلا بوجوده لأنه نقطة التقاء النصوص المتداخلة – رهين بموت المؤلف!( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Fati
المديــــر العــام
المديــــر العــام
Fati


اسم الدولة : فرنسا

موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Empty
مُساهمةموضوع: رد: موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي   موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي Icon_minitimeالأحد يونيو 07, 2009 1:37 pm


وهكذا يتم استبدال سلطة المؤلف بسلطة لا تقل عنها خطورة، إنها سلطة القارئ–في الوقت الذي يتمرد بارت على كل سلطة ويحاول التموقع خارجها!– لكن ليس أي نوع من القراء، بل " القارئ المتفوق " الذي بإمكانه ممارسة العنف على النص لإخضاعه، أولا، " إلى انسجام عقلاني "،( ) وثانيا، لانتزاع المعنى من كلماته، بتعبير هيدجر.( )
إنها نتيجة حتمية للفراغ الذي تركه غياب كل من النص والمؤلف وانتفاء القصدية، أن يكون الحضور الوحيد هو حضور القارىء، وينفتح النص أمام لانهائية المعنى، فلا معنى حقيقي، ولا تفسير معتمد، ولا قراءة موثوق بها، بل إن كل قراءة هي إساءة قراءة، وما هو مركزي في قراءة ما يصبح هامشيا في القراءات الأخرى، والعكس صحيح أيضا.( ) وهكذا ينسحب النص من الوجود، لأنه، أولا لا أصل له، فهو نسيج من النصوص المتداخلة، فهو لا يملك أبا واحدا، أو جذرا واحدا، بل هو نسق من الجذور، بتعبير دريدا. كما أنه ليس للنص ابنا واحدا أو فرعا واحد، بل نسقا من الفروع التي ينشئها القراء عبر التاريخ، وكل نص يحمل معنى مختلفا عن معاني النصوص الأخرى، والمعنى نفسه لا وجود له مادام أنه لا يمكن أن يكون نهائيا أو مكتملا، لأن النص في سيرورته لا يتوقف أبدا عن التوالد والتكاثر، ويقع دائما تحت ضغط القراءة. لقد تحول القارئ إلى " قابلة " تعمل على توليد النص.
 موت الكلام :
"وعلى الرغم من جميع المظاهر، فإن هذا الموت للكتاب لا يعلن… إلا عن موت الكلام ( كلام يزعم كونه مليئا ) وعن تحول جديد في تاريخ الكتابة، تحول في التاريخ بما هو كتابة."(جاك دريدا).( )
يسعى دريدا إلى تقويض وهدم كل ما كان يشكل مركزا ومرجعا متعاليا في الفلسفة الغربية، وخاصة الأساس الذي قامت عليه، أي سلطة العقل والكلمة. ويلاحظ دريدا أن حقبة الميتافيزيقا الغربية تحكمت فيها الرغبة في التمركز حول اللوغوس، أي التمركز حول العقل والصوت. وبوساطة مقولتي التمركز حول العقل والتمركز حول الصوت logocentrism ( وهو مفهوم مركب من لوجوس Logo وهي تعني: كلمة، عقل… وكلمة center بمعنى مركز)، يهدف دريدا إلى تقويض هذه المركزية. من هنا يمكن النظر إلى أعمال دريدا من هذه الزاوية، على أنها استكشاف لمركزية الكلمة وميتافيزيقا الحضور.
لقد لا حظ دريدا أن الميتافيزيقا الغربية تحط من قيمة الكتابة وتبقي عليها في حدود وظيفة ثانوية وأدواتية، مجرد ترجمة وتمثيل الكلام، هذا الكلام الذي منحت له أفضلية خاصة. وترجع جذور القضية إلى فجر الفلسفة الغربية، وترتبط بالأساس بالمحاورات الأفلاطونية، أو محاورات سقراط كما نقلها إلينا أفلاطون، مرورا بأرسطو وروسو وهيجل، وصولا إلى دي سوسير وهايدجر.
وقد درجت الفلسفة الغربية على الربط بين الوجود والحضور، وعلى تعريف الكائن باعتباره حضورا. وقد هيمنت هذه الفكرة على الفكر الغربي، وهي فكرة لا تعترف بشيء خارج الوعي، وتجعل من فكر الإنسان مركز الكون، وتختزل الذات في الوعي. من هنا، ارتباط فكرة الحضور هذه بالتمركز حول العقل والصوت ومن هنا، أيضا، مواكبتها، للوجوس الذي هو إحدى مرادفاتها إلى جانب مفردات أخرى شكلت الأساس الثابت للموروث الميتافيزيقي، مثل الجوهر Ousia والحقيقة Aletheia والوجود، والماهية، والأصل Arché والغاية Telos …
وقد استأثرت هذه الفكرة باهتمام دريدا، وكانت إحدى أهم محاور برنامجه النقدي تحت عنوان ميتافيزيقا الحضور، وهو مصطلح استعاره دريدا من هايدجر، ويرتبط حديثه عنه بثنائيتي الاختلاف/التأجيل، الحضور/ الغياب، كما أنه يقترن لديه بالتمركز الصوتي الذي طبع الفكر الغربي. يقول دريدا:" هكذا بدأنا نهجس أن التمركز الصواتي يمتزج بالتحديد التاريخاني لمعنى الوجود بعامة. بما هو " حضور" مع جميع التحديدات المتباينة التي تنبع من هذه الصيغة العامة، والتي تنظم فيها، أي في الصيغة، نسقها وتسلسلها التاريخاني ( حضور الشيء أمام النظر بما هو شكل مثالي eidos، حضور بما هو جوهر / ماهية / وجود Ousia ، وحضور زمني بما هو دمغة أو أثر stigmé للآن أو اللحظة NUN، وحضور " الكوجيتو " في ذاته، والوعي، والذاتية، والحضور المتضافر للآخر وللأنا والمابين، شخصية بما هي ظاهرة قصدية( " الإيغو " أو الذات، الخ…) هذا يعني أن التمركز اللوغوسي متعاضد مع تحديد وجود الكائن كحضور."( )
هناك، إذن، ارتباط وتواطؤ بين نزعة التمركز حول الصوت والكلمة المسموعة وميتافيزيقا الحضور، أي تعيين كينونة ما هو كائن باعتباره حضورا. فالامتياز الممنوح للصوت في تاريخ التصور الغربي، لم يكن اختيارا يمكن تفاديه، بل كان أمرا محتوما وضرورة ملحة، ذلك أن هذا التصور مرتبط بتحديد نمط العلاقة بين الوجود والذات، وبما يسميه دريدا نظام سماع – المرء – نفسه – يتكلم Le systéme du " s'entendre parler" بمعنى إنصات واستماع الذات إلى نفسها أثناء حديثها.( )
لقد جاء الحط من الكتابة وحصرها ضمن وظيفة آلية وثانوية( مجرد تمثيل للصوت)، كنتيجة حتمية لإدراك الوجود بوصفه حضورا، ولإرادة الإنصات إلى الذات، فالامتياز الممنوح للكلمة المنطوقة / المسموعة، يصور بوضوح، كيف أن الحضور المتزامن لطرفي التواصل (الحضور الإلزامي للمتكلم والمتلقي لحظة صدور الكلام )، يمنح الفعل التواصلي القوة والحيوية، ويكسب الكلمة المنطوقة قيمة عليا وامتيازا كبيرا على حساب الكلمة المكتوبة التي تفتقر لمثل هذه المواصفات، فهي على العكس من ذلك، لا تفترض حضور الكاتب وقت صدور القول، ولا تلزم متلقيا حاضرا، مما يجعلها صورة مشوهة من الكلام.
هكذا، إذن ، سار اختزال الكتابة جنبا إلى جنب مع تصور الوجود كحضور، وتم منح الامتياز للصوت للعلاقة التي تربطه بهذا الحضور، أي العلاقة المباشرة بين الذات المتكلمة والصوت، هذه العلاقة التي يمكن نمطها المرء من سماع نفسه في الوقت الذي يتكلم فيه، لأن الكلام يجسد حضور الأنا المتكلمة وحضور أنا المتلقي أيضا، وإضافة إلى ذلك، يشكل الصوت مناسبة لحضور تام للمعنى ومثوله، وحضور للوعي وللموضوع، ووضوح للفكرة:" فالكلمات المنطوقة كلمات تحمل قصديتها بشفافية، فهي تعكس تجاور Proximité المتحاورين وهي التعبير ذو الامتياز، والوجه الخارجي والجسم الذي يعبر عن مدلول داخلي، وهي الروح أو الوعي الذي يتواصل، فالصوت هو الحضور التام، فهو حضور الموضوع، وحضور المعنى في الوعي، والحضور في ذاته من خلال العبارة الحية ومن خلال وعي الذات."( )
والكلمة المنطوقة / المسموعة تمنح المتكلم امتياز معرفة ما يقوله، وفهم نفسه، لأنه حاضر أمام ذاته، ومعرفة ما إذا كان الفهم قد تحقق كاملا لدى المتلقي أم لا، لأنه حاضر أمامه.
غير أن استراتيجية دريدا الهادفة إلى الكشف عن تلك التصدعات المخبوءة في الميتافيزيقا الغربية، قصد إبراز كيف أنها تفكك نفسها بنفسها، يرى بأن هذا الحضور لم يتحقق لها أبدا، وإنما كان مجرد وهم حلم به، واعتقد أنه تم تحقيقه، ذلك أن فكرة الحضور أمام الذات مستحيلة التحقيق يقول روجي لابورت:" لنلخص في البداية وبجرة قلم عنيفة، فكر دريدا: إن الحضور، وبعيدا أن يكون قد تحقق بإطلاق، اللهم تحققه بشكل أسطوري في الإله، إن هذا الحضور قد تم حلمه فقط. وكما أن الحلم يشبع الرغبة رمزيا، أي يعوض اللاإشباع الحقيقي للرغبة، فإن ميتافيزيقا الحضور تعوض رغبة الحضور، كرغبة من المستحيل إشباعها، وبما أنه كان من اللازم انتظار عصرنا لكي يتم الشروع في الخروج من حلم ربما لن ينتهي أبدا، يجب إذن الاعتراف لهذا الحلم بكل قوة الخدعة."( )
وإذا كانت استراتيجية دريدا تتحدد في السعي إلى هدم وتقويض كل سلطة يمكن أن تشكل مركزا خارجيا تتم الإحالة إليه، ليضمن الحقيقة، ويمنح الأفكار معناها وقيمتها، فإنه يسعى إلى التأكيد على استحالة الحضور، وإثبات الغياب بدلا من ذلك. وإذا كان المركز يضمن للناس الوجود كحضور، فإن غياب هذا المركز المرجعي، الذي يعتبره دريدا مثاليا في جوهره، لأنه أصل الحقيقة، يعني إثبات الغياب كبديل.
وستكون الكتابة هي الشكل الذي سيتوسل به دريدا لتمزيق هذا الحضور. وإذا كانت الميتافيزيقا الغربية قد حافظت على هذا التراتب: كلام / كتابة، مع منح الامتياز للكلام، من أجل الإبقاء على إمكانية الحضور قائمة، فإن دريدا يعلن عن موت هذا الكلام الذي يعزى له الحضور الكامل، ليفتح المجال أمام الكتابة لتكتسح وتشمل اللغة، ولتمتد إلى جميع المجالات والحقول الأخرى. فإذا كانت اللغة، يقول دريدا " تطلق على كل من الفعل والحركة والفكر والتفكير والوعي واللاوعي والتجربة والعاطفة، الخ… " فإننا " نواجه اليوم نزوعا لإطلاق تسمية" كتابة"على هذه الأشياء جميعا وسواها: لا لتسمية الحركات الجسمانية التي تستدعيها الكتابة الحر وفية أو التصويرية أو الإيديوغرافية فحسب، وإنما كذلك على كل ما يجعلها ممكنة، ومن ثم، وفي ما وراء الجانب الدال، على الجانب المدلول عليه نفسه". وهكذا سيمكننا الحديث عن كتابة رياضية وكتابة سياسية وعسكرية… إلخ.( )
وهكذا ينتشل دريدا الكتابة من دائرة كانت تعتبر فيها مجرد تمثيل للأصوات المنطوقة، لتعم كل المجالات، وهي عملية مكنت من إعادة الاعتبار إلى الكتابة التي لم تعد تعني مجرد تمثيل الأصوات، مما يجعلها دون مرتبة الكلام، فدريدا يجعلها موازية للكلام، بل وسابقة عليه.
وإذا كان رو سو قد اعتبر الكتابة مجرد ملحق بالكلام، فإن دريدا يرينا فعالية هذا الملحق الذي من شأنه أن يقلب نظام ما ينضاف هو إليه، وأن يحل محله أحيانا، فكم من ترجمة تتجاوز النص الأصلي؟ وكم من حاشية تكشف لنا عن التناقضات أو المغالطات التي يجهد المؤلف في إخفائها في المتن؟( ) ثم إن كلمة هامش Marge تترابط مع كلمات أخرى مثل سمة أو علامة Marque ومسيرة Marche.
إن الكتابة تهب النص استقلاله وحريته عن مؤلفه الأصلي، وتنطوي على إمكانية سيرورة البقاء برغم غياب صاحب النص، وهو ما يفتح النص أمام تعدد التأويلات والتفسيرات. فالكتابة لا تفترض حضورا مباشرا للمؤلف، بل هي على العكس، تجسد غياب الفرد المتكلم، وحتى إن كان النص ينسب إلى الفرد المؤلف، فإن هذه النسبة ليست بالأمر المحتوم، فثمة نصوص تنسب إلى جماعة، كما أن هناك من النصوص من هي مجهولة المؤلف. أما في حالة نسبة النص إلى مؤلف فرد، فرغم ذكر اسمه، فإن النص يكون قد تحرر من مؤلفه لأنه" قد يكون ميتا."( )
يعطي دريدا الكتابة الخصائص الثلاث الآتية:
1- إن الإشارة المكتوبة هي علامة يمكن تكرارها ليس فقط بغياب الذات التي تطلقها في سياق معين، بل أيضا لمتلق معين.
2- إن الإشارة المكتوبة يمكن أن تخترق "سياقها الواقعي" وأن تقرأ في سياق مختلف بغض النظر عما نواه كاتبها منها. ويمكن لخطاب في سياق آخر أن "يطعم" بسلسلة من الإشارات ( كما في حالة التضمين).
3- إن الإشارة المكتوبة عرضة للانزواء بمعنيين: الأول، أنها منفصلة عن بقية الإشارات في سلسلة معينة، والثاني، أنها منفصلة عن "الإحالة الحاضرة "( أي أنها تشير إلى شيء لا يمكن أن يكون حاضرا فيها واقعيا)."( )
يجسد خطاب دريدا، لحظة إعلان عن موت الكلام / الكتاب، ولحظة تحول في التاريخ كتاريخ للكلمة وللمعنى إلى التاريخ ككتابة وتناسل للمدلولات التي لا نهاية لها، لغياب مركز يوقف عملية اللعبة هذه. ولذلك فإن قيام الكتابة هو قيام للعب الحر الذي سيعمل على تدمير مفهوم العلامة كما هي محددة في التراث الكلاسيكي.
إن دريدا لم يعمل إلا على دعم وتثبيت ما يسميه بـ" التراتب العنيف " في الميتافيزيقا الغربية، في الوقت الذي اعتقد فيه أنه يعمل على تقويضه، ورغم الحذر الذي يقول بأنه يحيط به استراتيجيته، فإنه يقع في فخ تراتب أعنف، لم يعمل فيه على مجرد مقابلة مركز بمركز، مقابلة التمركز حول الكلمة بالتمركز حول الكتابة مع الإبقاء على الطرف الآخر حيا، وإنما ذهب إلى حد نفيه والإعلان عن موته. وهو يفعل ذلك إنما ليقوض الحضور، الذي كان الكلام يمثل إطارا له، ليثبت الغياب / الكتابة بدلا منه. وهذا هو رهان مشروع دريدا الفلسفي: هدم ميتافيزيقا الحضور، والقول بفلسفة الغياب.
بعد كل هذا، هل ثمة من داع للتساؤل عن موقع الذات وفكرة "الأنا" في المنظورين البنيوي والتفكيكي؟ من جهتي لا أجد سببا لطرح مثل هذا السؤال، ففكرة الذات، باعتبارها وعيا أو إرادة يمكن أن تكون مصدرا للمعنى وضامنة للدلالة قد تم الحسم معها، ويظهر أن الجميع قد تحالف من أجل تقويضها، فثمة " أيديولوجية مشتركة تفعل فعلها هنا – في فكر فوكو وبارت ودريدا-: تفكك الأنا وإنكارها، والنفس بمعناها التقليدي تبدو لأمثال فوكو فكرة "لاهوتية" تبدو تعاليا زائفا."( )
لكن أعتقد أنه يجب مساءلة دريدا، الذي يتحدث عن ميلاد الكتابة وقيامها، ويسعى نحو إعادتها إلى مركز الوجود: ومن يكتب؟ هذا بالرغم من أن جواب دريدا، وأمثاله، على هذه المسألة واضح وحاسم: إن هذه الفكرة فكرة لاهوتية وأسيرة الإرث الميتافيزقي!



الهوامش:
- مصطفى المرابط: "هزيمة الإنسان أو الولادة الثقافية للإنسان المعاصر"، أعمال ندوة: "العلم والثقافة: أية علاقة؟"، بيت الحكمة للترجمة والنشر، وجدة، 1996، ص :35.
- فرنسيس بيكون، أورده ول ديورانت في كتابه:" قصة الفلسفة "، ترجمة: فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت، ط6، 1988م، ص: 143.
- مصطفى المرابط :" العلم والثقافة، أية علاقة؟ "م.س، ص: 33.
- جاك جوليار:" منذ متى أصيب التقدم بالجنون؟" ترجمة: أحمد البوسكلاوي، مدارات فلسفية، مجلة الجمعية الفلسفية المغربية، العدد 2، ماي 1999. ص: 48.
- "العلم والثقافة: أية علاقة؟"، م.س، ص: 45.
- جورج برنارد شو، أورده كارل ساجان في كتابه:" كوكب الأرض: نقطة زرقاء باهتة، رؤية لمستقبل الإنسان في الفضاء"، ترجمة: شهرت العالم، عالم المعرفة، العدد 254، 2000م، الكويت، ص: 59.
- محمد حافظ دياب: " خطاب ما بعد الحداثة، انحلال الحتمي وإغراء المختلف"، نزوى، مجلة فصيلة ثقافية، العدد : 21، يناير 2000، سلطنة عمان، ص : 54.
- عبد العزيز حمودة:" المرايا المحدبة، من البنيوية إلى التفكيك"، عالم المعرفة، الكويت، العدد، 232، 1998م، ص: 299.
- المرجع نفسه، ص :299.
- استحضر هنا دراسة دريدا بعنوان:
« La structure, le signe et le jeu dans le discours des sciences humaines »
« L’écriture et la différence », Editions du seuil / 1967.في كتابه :
- " المرايا المحدبة " م.س، ص: 299.
- " هكذا تكلم زرادشت"، ترجمة: فليكس فارس، دار القلم، بدون تاريخ، ص: 32.
- " المرايا المحدبة "، م.س، ص: 402.
- روجي جارودي:" البنيوية فلسفة موت الإنسان "، ترجمة: جورج طرابيشي، ط2، 1981، ص: 9.
- المرجع نفسه، ص: 9.
- رفيق عبد السلام بوشلاكة:" مآزق الحداثة: الخطاب الفلسفي لما بعد الحداثة"، مجلة إسلامية المعرفة، العدد السادس، 1996، ص: 113.
- المرجع نفسه، ص: 114.
- نفسه، ص:112.
- نفسه، ص:116-117.
- نفسه، ص:117.
- " هكذا تكلم زرادشت "، م.س، ص: 33.
- "قصة الفلسفة "، م.س، ص: 519.
- المرجع نفسه، ص: 526. ولذلك نجد ديورانت يقول:" كان نيتشه طفل داروين، وأخا لبسمارك"، أي أنه تأثر بنظرية داروين وسياسية بسمارك المتسمة بالشدة والقتال والعنف، ص:504.
- "الكلمات والأشياء"، ترجمة: مطاع صفدي وآخرون، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1989/1990، ص: 313.
- المرجع نفسه، ص: 281.
- نفسه، ص: 313.
- نفسه، ص: 313.
- نفسه، ص: 281.
- نفسه، ص: 282.
- "درس السيميولوجيا"، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط3، 1993، ص: 87
- المرجع نفسه، ص: 82.
- نفسه، ص: 82.
- نفسه، ص: 87.
- نفسه، ص: 86.
- نفسه، ص: 87.
- رولان بارت وآخرون:" نظريات القراءة من البنيوية إلى جمالية التلقي"، ترجمة: عبد الرحمن بوعلي، دار نشر الجسور، المغرب، 1995، ص: 167.
- المرجع نفسه، هامش رقم: 69، ص: 16.
- "المرايا المحدبة"، ص:55.
- " الكتابة والاختلاف "، ترجمة : كاظم جهاد، دار توبقال، الدار البيضاء، ط 1، 1988، ص: 106-107.
- المرجع نفسه، ص : 112.
- نفسه، ص : 105.
-" نظريات القراءة من البنيوية إلى جمالية التلقي"، م.س، ص: 50.

- "مدخل إلى فلسفة جاك دريدا تفكيك الميتافيزيقا واستحضار الأثر"، ترجمة: إدريس كثير، عز الدين الخطابي، أفريقيا الشرق، ط 1، 1991، ص: 23.
- "الكتابة والاختلاف"، ص: 107.
- كاظم جهاد: مقدمة المرجع السابق، ص: 28.
- جون ستروك( محرر): " البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى دريدا"، ترجمة: محمد عصفور، عالم المعرفة، العدد 206، الكويت، ص: 24.

- رامان سلدن:" النظرية الأدبية المعاصرة"، ترجمة: سعيد الغانمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1996، ص: 133.
- "البنيوية وما بعدها "، ص:25
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
موت الإنسان في النقد الغربي الحديث. - علي صديقي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة :: المنتديات الثقافية :: منتدى القراءات والدراسات النقدية والبحوث-
انتقل الى: