ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة

ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة

منتــــــــــــــــــــدى منـــــــــــــــوع موسوعــي
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
لكل الكرام المسجلين في منتديات ليل الغربة ، نود اعلامكم بأن تفعيل حسابكم سيكون عبر ايميلاتكم الخاصة لذا يرجى العلم برفقتكم الورد والجلنار
سأكتب لكم بحرف التاسع والعشرين .. لكل من هُجرْ ، واتخذ من الغربة وطناَ .لكل من هاجر من اجل لقمة العيش ، واتخذ من الغربة وطناً لكم جميعا بعيدا عن الطائفية والعرقية وغربة الاوطان نكتب بكل اللغات للأهل والاحبة والاصدقاء نسأل ، نستفسر عن اسماء او عناوين نفتقد لها نهدي ،نفضفض ، نقول شعرا او خاطرة او كلمة اهديكم ورودي وعطر النرجس ، يعطر صباحاتكم ومساءاتكم ، ويُسكن الراح قلوبكم .
احتراماتي للجميع

شاطر | 
 

 الدولة الزنكية"

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Fati
المديــــر العــام
المديــــر العــام
avatar

اسم الدولة : فرنسا

مُساهمةموضوع: الدولة الزنكية"   الخميس فبراير 19, 2009 11:04 pm



الدولة الزنكية"




العناصر
1- اسمه
2-نسبه
3-نشأته
4-زواجه
5-أبنائه
6-ونعم الزوجة
7-ونعم الإبن
أهم صفات السلطان نور الدين محمود:
1- الجدية والذكاء المتوقد
2-الشعر بالمسؤلية
3-كتابه إلى زعماء دمشق

4- قوة الشخصية
5- مجلسه
6- تواضعه
7- محبة المسلمين له
8- فتح دمشق بلا قطرة دم

اسمه


هو نور الدين محمود زنكي، صاحب الشام، الملك العادل، ناصر أمير المؤمنين، تقي الملوك، ليث الإسلام، أبو القاسم محمود بن الأتابك قسيم الدولة أبي سعيد – عماد الدين – زنكي بن الأمير الكبير آق سنقر التركي السلطاني الملكشاهي مولده في شوال سنة إحدى عشرة وخمس مئة 511 هـ.
نسبه


وهم ينتسبون إلى قبيلة ساب يو التركية.

ولا تذكر المصادر التاريخية شيئاً عن نشأة نور الدين وشبابه ولكنها جميعاً تؤكد أنه تربى في طفولته تحت رعاية وإشراف والده وأن والده كان يقدمه على إخوانه ويرى فيه مخايل النجابة ، ولما جاوز الصبا لزم والده حتى مقتله ﻫ/1047م.وكانت حياة عماد الدين في فترة حكمه الموصل من 521ﻫ -541 ﻫ مدرسة عليا شاملة لجميع أنواع المعارف الإنسانية في مجالات العلوم السياسية والإدارية والعسكرية بالإضافة إلى العلوم الشرعية الدينية وقد جمعت مدرسة الحياة الكبرى التي عاش فيها نور الدين بين الأسلوب النظري والتطبيقي

زواجه


وقد تزوج نور الدين عام 541ﻫ الزواج الذي لم تكن من ورائه جارية ولا سّرية من عصمت الدين خاتون ابنة الأتابك معين الدين حاكم دمشق، بعد أن ترددت المراسلات بين الرجلين واستقرت الحال بينهما على أجمل صفة، وتأكدت الأمور على ما اقترح كل منهما وكتب كتاب العقد في دمشق، بمحضر من رسل نور الدين في الثالث والعشرين من شوال وما أن تم إعداد الجهاز حتى قفل الوفد عائداً وبصحبة ابنة معين الدين .

أولاده


وخلف نور الدين من زوجته هذه ابنة واحدة وولدين هما الصالح إسماعيل الذي تولى الحكم من بعده وتوفي شاباً لم يبلغ العشرين من العمر، من جراء مرض ألم به عام 577ﻫ وأحمد الذي ولد بحمص عام 547ﻫ تم توفي في دمشق طفلا.

ونعم الزوجة:


وسرعان ما امتدت تقوى الرجل إلى زوجته وابنه الأكبر، فكانت زوجته تكثر القيام في الليل، ونامت ليلة عن وردها فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين عن أمرها، فذكرت نومها الذي فّوت عليها وردها، فأمر نور الدين عند ذلك بضرب الطبول في القلعة وقت السحر لتوقظ النائمين حينذاك للقيام، ومنح الضاربين أجراً جزيلا، وصفها المؤرخون بأنها كانت من أحسن النساء وأعفهن وأكثرهن خدمة متمسكة من الدين بالعروة الوثقى، وكانت لها أوقاف وصدقات كثيرة وبر عظيم ، وقد ذكر ابن كثير في أحداث عام 563ﻫ : وفي شوال وصلت امرأة الملك نور الدين محمود زنكي إلى بغداد تريد أن تحجَّ من هناك، وهي السَّتُّ عصمت الدين خاتون بنت معين الدين أنُر، فتلقاها الجيش ومعهم صندل الخادم، وحملت لها الإقامات وأُكرمت غاية الإكرام.

ونعم الإبن:


وعرف عن الصالح إسماعيل تقواه العميقة والتزامه الأخلاقي المسؤول حتى رفض الأخذ برأي الأطباء في شرب شيء من الخمر عندما ألحّت عليه علة القولنج التي أودت بحياته. وقال : لا . حتى أسأل الفقهاء، فلما أفتوه بالجواز لم يقبل وسأل كبيرهم : إن الله تعالى قّرب أجلي، أيؤخره شرب الخمر ؟ قال : لا فأجابه : فوالله لا لقيت الله وقد فعلت ما حّرم علي.


أهم صفات نور الدين زنكي :


إن مفتاح شخصية نور الدين محمود زنكي شعوره بالمسؤلية وحرصه على تحرير البلاد من الصليبيين وخوفه من محاسبة الله له وشدة إيمانه بالله وباليوم الآخر وكان هذا الإيمان سبباً في التوازن المدهش والخلاّب في شخصيته، فقد كان على فهم صحيح لحقيقه الإسلام وتعبد الله بتعاليمه، وتميزت شخصيته بمجموعة من الصفات الرفيعة والأخلاق الحميدة والتي ساعدته على تحقيق انجازاته العظيمة والتي من أهمها :


الجدية والذكاء المتوقد


منُذ البداية والتكوين الجاد لنور الدين يدفعه إلى الإسراع لسّد أي فتق أو اعتداء من قِبل الأعداء : فلما قتل زنكي 541ﻫ يقول ابن الأثير – كان جوسلين الفرنجي، في ولايته غربي الفرات : تل باشر وما جاورها فراسل أهل الرها وكان عامتهم من الأرمن، وواعدهم يوماً يصل إليهم فيه فأجابوه إلى ذلك فسار في عساكره إليها وملكها، وامتنعت عليه القلعة بمن فيها من المسلمين، وقاتلهم وجّد في قتالهم، فبلغ الخبر إلى نور الدين فساراً مجداً إليها في العسكر الذي عنده، فلما سمع جوسلين بوصوله خرج عن الرها إلى بلده ودخل نور الدين المدينة ونهبها وسبى أهلها فلم يبق منهم إلاّ القليل وأجلى من كان بها من الفرنج. وكان أبوه زنكي قد استرد هذا الموقع الخطير من الصليبيين عام 539ﻫ وأمر جنده يومها بالكف فوراً عن النهب والسلب والتخريب ومنح النصارى المحليين حريات واسعة وحمى كنائسهم وممتلكاتهم في محاولة منه لفك ارتباطهم بالغزاة الصليبيين الذين مارسوا معهم الكثير من أساليب التمييز والتفرقة الدينية أما وقد تآمروا – ثانية – في أخريات عهد زنكي، وثالثة بعد مقتله لإعادة الرها إلى السيطرة الصليبية منها يجئ الرد بمستوى الجّد الذي يقتضيه الموقف إذا ما أريد لهذا الموقع أن يبقى مجرداً، وألا يعود ثانية إلى قبضة الغزاة.

ويوما بلغه ما فعله جوسلين من إرسال السلاح – الذي كان قد استولى عليه إحدى معاركه مع نور الدين – إلى حميه السلطان مسعود حاكم سلاجقة الروم : فقام نور الدين وقعد، وهجر الراحة للأخذ بثأره، فأذكى العيون على جوسلين، وأحضر جماعة من التركمان وبذل لهم الرغائب إن هم ظفروا بجوسلين إما قتلا أو أسراً، لأنه علم إن هو جمع العساكر الإسلامية لقصده جمع جوسلين الفرنج وحذر وامتنع فأخلد إلى إعمال الحيلة .

وكان نور الدين – كما يقول ابن الأثير : إذا فتح حصناً لا يرحل عنه حتى يملأه رجالاً وذخائر يكفيه عشر سنين خوفاً من نصرة تتجدد للفرنج على المسلمين فتكون حصونهم مستعدة غير محتاجة لشيء .



كان كما يقول ابن الأثير : يكثر أعمال الحيل والمكر والخداع مع الفرنج وأكثر ما ملكه من بلادهم به. ويضرب على ذلك مثلاً سياسته مع مليح بن ليون ملك الأرمن في بلاد الأناضول : فإنه ما زال يخدعه ويستميله حتى جعله في خدمته سفراً وحضراً، وكان يقاتل به الفرنج وكان يقول :" إنما حملني على استمالته أن بلاده حصينه وعرة المسالك، وقلاعه منيعة وليس لنا إليها طريق، وهو يخرج منها – إذا أراد – فينال من بلاد الإسلام، فإذا طُلب انحجر فيها فلا يقدر عليه، فلما رأيت الحال هكذا بذلت له شيئاً من الاقطاع على سبيل التآلف حتى أجاب إلى طاعتنا وخدمتنا وساعدنا على الفرنج".



كما يحدثنا ابن الأثير عن الأسلوب الذي اعتمده نور الدين في فتح حصني المنبطرة بالشام 561ﻫ، فهو لم يحشد له ولا جمع عساكره وإنما سار إليه في سّريه من الفرسان على حين غرة من الصليبيين، إذ أدرك أنه بجمعه العسكر سيعطي الإشارة إلى خصومه لكي يأخذوا أهبتهم وما لبثت حامية الحصن أن فوجئت بهجوم نور الدين المباغت وبعد قتال عنيف سقط الحصن، ولم يجتمع لدفعه إلاّ وقد ملكه، ولو علموا أنه في قلعة من العساكر لأسرعوا إليه، إنما ظنوه أنه في جمع كثير، فلما ملكه تفرقوا وأيسوا من ردّه، فهذه الأحداث تظهر صفة الجدية والذكاء المتوقد في شخصية نور الدين.


الشعور بالمسؤولية


تولد عن ورع نور الدين وتقواه إحساس شديد بالمسؤولية، ظهر في جميع أعماله وحالاته، فالخشية من الله تعالى تجعله دائماً في موقع المحاسب لنفسه المراقب لها حتى لا تتجاوز إلى ما يغضب الله، فهو يعتبر نفسه مسؤولاً أمام الله عن كل ما يتعلق برعيته، وكل ما يتعلق ببلاد المسلمين ودمائهم وحقوقهم حتى لو كانوا من غير رعيته فإذا كان باستطاعته مساعدتهم فهو مسؤول إذا قصر في تقديم هذه المساعدة.
يظهر هذا الفهم الشامل للمسؤولية في رسالة نور الدين محمود إلى إيلدكز أمير أذربيجان وأرمينية وهمذان والري، جوابا على رسالته التي يطلب فيها من نور الدين عدم احتلال الموصل ويتهدده بأن لا سبيل له إليها قال نور الدين للرسول : قل لصاحبك : "أنا أرحم ببني أخي (يعني سيف الدين غازي) منك، فلم، تدخل نفسك بيننا ؟ وعند الفراغ من إصلاحهم يكون الحديث معك عند باب همذان فإنك قد ملكت نصف بلاد الإسلام وأهملت الثغور حتى غلب الكرج عليها، وقد بليت أنا وحدي بأشجع الناس : الفرنج، فأخذت بلادهم وأسرت ملوكهم، فلا يجوز لي أن أتركك على ما أنت عليه، فإنه يجب علينا القيام بحفظ ما أهملت من بلاد الإسلام، وإزالة الظلم عن المسلمين ".

حينما علم في عام 544ﻫ/1149م بتحالف الصليبيين قال : لا أنحرف عن جهادهم، إلا أنه مع ذلك كان يكفّ أيدي أصحابه عن العبث والإفساد في الضيَّاع ويحسن الرأي في الفلاحين ويعمل على التخفيف عنهم الأمر الذي أكسبه عطف وتأييد جماهير دمشق وسائر البلاد التابعة لها، فراحت تدعو له النصر.

كتابه إلى زعماء دمشق


وكتب إلى زعماء دمشق : "إنني ما قصدت بنزولي هذا المنزل طالباً لمحاربتكم، وإنما دعاني إلى هذا الأمر كثرة شكاية المسلمين ... بأن الفلاحين أخذت أموالهم وشتت نساؤهم وأطفالهم بيد الفرنج وانعدام الناصر لهم ، فلا يسعني مع ما أعطاني الله وله الحمد من الاقتدار على نصرة المسلمين وجهاد المشركين وكثرة المال والرجال، ولا يحلّ لي القعود عنهم والانتصار لهم؛ مع معرفتي بعجزكم عن حفظ أعمالكم والذبّ عنها والتقصير الذي دعاكم إلى الاستصراخ بالفرنج على محاربتي وبذلكم لهم أموال الضعفاء والمساكين من الرعية ظلماً لهم وتعدياً عليهم، وهذا مالا يرضى الله تعالى ولا أحداً من المسلمين "

وفي العام التالي خرج إليه أهل دمشق وكثير من أجنادها، بعد أن قرر عدم مهاجمتها عنوة كراهية لسفك دماء المسلمين، والتقى بعدد من الطلاب والفقراء والضعفاء فلم يخيب أحداً من قاصديه . وقد أصر نور الدين طيلة الفترة التالية على عدم القيام بهجوم على البلد تحرجاً من قتل المسلمين وقال :" لا حاجة إلى قتل المسلمين بأيدي بعضهم بعضاً، وأنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين" .فهو يعلم جيداً أن الأمة إذا قتلت نفسها سهلت على العدو، وإذا قدرت على حماية دمها بذلته رخيصاً في مجاهدة هذا العدوّ .. معادلة واضحة يمكن أن تفسر لنا الكثير من هزائم الأمم وانتصاراتها على السواء.



ومن ثم كانت عادة نور الدين كما يقول أبو شامة :"إنه لا يقصد ولاية أحد من المسلمين إلا ضرورة، إما ليستعين على قتال الفرنج، أو للخوف عليها منها كما فعل بدمشق ومصر وغيرها. لقد كان الدم عنده عظيما، لما كان قد جبل عليه من الرأفة والرحمة والعدل ."


قوة الشخصية


كان نور الدين محمود قوي الشخصية، قديراً على الوقوف في نقطة التوازن بين الصرامة والمرونة، والشدة واللين، والعنف والرحمة ، وقد وصفه ابن الأثير بأنه كان : "مهيباً مخوفاً مع لينه ورحمته وأنه كانت إليه النهاية في الوقار والهيبة شديداً في غير عنف، رقيقاً في غير ضعف ".


مجلسه

ويصف مجلسه فيقول : "وكان مجلسه كما روي في صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس حلم وحياء، لا تؤبن فيه الحرم، ولا يذكر فيه إلا العلم والدين وأحوال الصالحين والمشورة في أمر الجهاد، وقصد بلاد العدو، ولا يتعّدى هذا" ..

وقال الحافظ ابن عساكر الدمشقي :"كنا نحضر مجلس نور الدين فكنا كما قيل : كأن على رؤوسنا الطير تعلونا الهيبة والوقار وإذا تكلم أنصتنا، وإذا تكلمنا استمع لنا "

وقال ابن كثير :" لم يسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا رضى، صموتا وقوراً ".

تواضعه


وكان مع هذه العظمة وهذا الناموس القائم، إذا دخل عليه الفقيه أو الصوفي أو الفقير يقوم له ويمشي بين يديه ويجلسه إلى جانبه، ويُقبل عليه بحديثه كأنه أقرب الناس إليه وإذا أعطى أحداً منهم شيئاً كثيراً يقول :"هؤلاء جند الله وبدعائهم ننتصر على الأعداء، ولهم في بيت الله حق أضعاف ما أعطيهم فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا."


محبة المسلمين له


عندما تحدث ابن كثير في أحداث سنة 552ﻫ قال : "وفيها مرض نور الدين، فمرض الشام بمرضه ثم عوفي ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً " وفيما ذكره ابن كثير يظهر الحب العميق الذي تكنه الأمة لنور الدين وهذا الحب الرباني كان نابعاً من القلب، وبإخلاص، لم يكن حب نفاق وما أبلغ تعبير ابن كثير :" مرض نور الدين فمرض الشام بمرضه"، فهل هناك تلاحم بين القيادة والقاعدة مثل هذا في ذلك الزمن، ومن أسباب ذلك الحب صفات نور الدين القيادية، فهو يسهر ليناموا ويتعب ليستريحوا وكان يفرح لفرح المسلمين ويحزن لحزنهم، وكان عمله لوجه الله – نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً –





إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كلَّ شيء وتستطيع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود والأمة لها.



إن نور الدين وضع الله له قبولاً عظيماً بين أبناء أمته وأحبته الجماهير لجهاده وإخلاصه وتفانيه في خدمة الإسلام وامتد هذا الحب لكي يتجاوز مدن دولته وحصونها وقرأها إلى ما وراء الحدود وكسب جماهير خصومه من الداخل، وهز عروشهم، وقطع جذور مواقعهم من الأعماق وإزاحهم من طريق الوحدة التي اعتزم بناءها دونما قطرة من دم، فالدم المسلم كان عنده عظيماً، وليست تجربته مع أهالي دمشق بالمثل الوحيد، فمُنذ عام 543ﻫ حينما تقدم على رأس قواته للمساعدة على فك حصار الحملة الصليبية الثانية عن دمشق : شاهد الدماشقة حرمته حتى تمنوه ، وراحوا يدعون له دعاءً متواصلاً وأخذ يخرج إليه خلال المراحل التالية من الحصار – عدد كبير من الطلاب والفقراء والضعفاء ولهذا دلالته، فهم الذين كانوا في الواقع أصدقاءه الحقيقيين كما سيتبين لنا : فما خاب قصده كما يقول ابن القلانسي ، أما فلاحو المنطقة فكانت قلوبهم معه لأنه منع أصحابه من العبث في مزارعهم، وأعلن أنه جاء لكي يحمى كدحهم من تخريب الصليبيين ،وقد عزّز بذلك محبة الدمشقيين له فكانوا : "يدعون ليلاً نهاراً أن يبدلهم الله سبحانه بالملك نور الدين" ، وأخذ نور الدين يكاتب أهل دمشق ويستميلهم، وكان الناس يميلون إليه لما هو عليه من العدل والديانة والإحسان فوعدوه بالتسليم. وقد دخل نور الدين دمشق عام 549ﻫ في فتح أبيض لم ترق فيه دماء وما ذلك إلا – بتوفيق الله – ثم بمساعدة الجماهير التي كانت تنتظر دخوله منُذ سنوات وسنوات .

فتح دمشق :


يقال أن امرأة كانت على السور فدلَّت حبلاً فصعدوا إليه، وصار على السور جماعة ونصبوا السلالم وصعدت جماعة أخرى ونصبوا علماً وصاحوا بشعار نور الدين وبعد أقل من ثلاث سنين، حينما أعلن في دمشق عن التطوع في حملة لقتال العدو خرج كل قادر على حمل السلاح من أهل دمشق وتبع نور الدين في حملته تلك فتيان البلد من الأحداث والغرباء والمتطوعة والفقهاء والصوفية والمتدينين العدد
الكثير.

وهناك رواية لابن الأثير، تناقلها كثير من المؤرخين، تحمل دلالتها العميقة في هذا الموضوع طلب نور الدين عام 559ﻫ نجدات من أمراء الأطراف لفتح حارم المعروفة بحصانتها الشديدة، فأما فخر الدين قرا أرسلان الأرتقي، حاكم حصن كيفا في ديار بكر، فبلغني عنه أنه قال له ندماؤه وخواصه : "على أي شيء عزمت ؟" فقال : "على القعود، فإن نور الدين قد تحشّف من كثرة الصوم والصلاة، فهو يلقي بنفسه والناس معه في المهالك" ،فكلهم وافقه على ذلك، فلما كان الغد أمر بالنداء في العسكر، بالتجهز للغزاة، فقال له أولئك : "فارقناك بالأمس على حال نرى الآن ضدها ؟" فقال :" إن نور الدين قد سلك معي طريقاً إن لم أنجده خرج أهل بلادي على طاعتي وأخرجوا البلاد من يدي،، فإنه كاتب زهادها وعبادها والمنقطعين عن الدنيا، يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج ومانالهم من القتل والأسر والنهب ويستمد منهم الدعاء ويطلب منهم أن يحثوا المسلمين على الغزاة، فقد قعد كل واحد من أولئك ومعه أتباعه وأصحابه وهم يقرأون كتب نور الدين ويبكون، ويلعنوني ويدعون عليّ فلا بد من إجابة دعوته" ،ثم تجهز هو أيضاً " وسار إلى نور الدين بنفسه.

إن نور الدين يتعامل مع الجماهير وأعيانها ورموزها وقد حقق نجاحات باهرة في كسب قلوبها وتأييدها ومحبتها، فكان يطلعها على تفاصيل ما يجري على الساحة، فإن تردد الحكام والأمراء، أو جبنوا، أو بخلوا فإن بمقدور القواعد، الأكثر ثقلاً وتأثيراً يومذاك أن ترغمهم على الطاعة وإلاّ عصفت بهم وأخرجت البلاد من أيديهم وذلك هو الضمان الكبير في تجنيد القدرات الإسلامية كافة ودفعها إلى ساحات الجهاد ، وما من شك في أن انسجاماً عميقاً يتحقق بين القيادة والقواعد ومحبة واعية تسود العلاقة بين الرجل والجمهور، وتعاطفاً مخلصاً من أجل الأهداف الكبيرة .. وما من شك أن هذا وذاك من أسباب النجاح والتوفيق في إدارة دولته .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Fati
المديــــر العــام
المديــــر العــام
avatar

اسم الدولة : فرنسا

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الزنكية"   الخميس فبراير 19, 2009 11:06 pm




ثامناً : تجرده وزهده الكبير :

فهم نور الدين محمود زنكي – رضي الله عنه – من خلال معايشته للقرآن الكريم وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنَّها مزرعة للآخرة، ولذلك تحَّررَ من سيطرة الدنيا بزخارفها، وزينتها، وبريقها، وخضع وانقاد، وأسلم نفسه ظاهراً وباطناً، فترفع رحمه الله عن الدّنيا وحطامها، وزهد فيهما وإليك شيئاً من مواقفه:



1- قال ابن الأثير : وحكى لنا الأمير بهاء الدين علي ابن الشكري وكان خصيصاً بخدمة نور الدين قد صحبه من الصبا، وأنس به وله معه انبساط، قال : "كنت معه في الميدان بالُّرها والشمس في ظهورنا، فكلّما سرنا تقدمنا الظل، فلما عدنا صار ظلنا وراء ظهورنا، فأجرى فرسه وهو يلتفت وراءه
وقال لي : "أتدري لأي شيء أجري فرسي وألتفت ورائي قلت : لا، قال : قد شبهت ما نحن فيه بالدنيا، تهرب ممن يطلبها وتطلب من يهرب منه"ا قلت : رضي الله عن مَلك يفكر في مثل هذا.



2- تشبه نور الدين محمود بعمر بن عبد العزيز في زهده وقد كان الأخير حاكم لأقوى دولة على الأرض في زمنه، فكان نور الدين لا ينفق على نفسه وعلى أهله إلا من ملك اشتراه من سهمه من الغنائم وكان يحضر الفقهاء ويستفتيهم فيما يحل له من تناول الأموال المرصدة لمصالح المسلمين فيأخذ ما يفتونه بحله ولم يتعداه إلى غيره البتة قال العماد الأصفهاني : كان رسم نفقته الخاص في كل سنة من جزية أهل الذمة مبلغ ألفي قرطاس ، يصرفه في كسوته ونفقته ومأكوله ومشروبه وحوائجه المهمة، حتى أجرة خياطه وطباخه، ومن ذلك المقرر المعين النزر ثم يستفضل ما يتصدق به في آخر الشهر ويفضه على المساكين وأهل الفقر.



3- وأما ما يهدي إليه من الثياب والألطاف وهدايا الملوك من المناديل والسكاكين والمهاميز والدبابيس، وكل دقيق وجليل لا يتصرف في شيء منه بل يعرض نظره عنه وإذا اجتمع يخرجه إلى مجلس القاضي ليحصّل أثمانها الموفورة ويصرفها في عمارة المساجد المهجورة (رحمك الله).



4- ولم يلبس قط ما حّرمه الشرع من حرير أو ذهب أو فضة ، وحكي لي عنه أنه حمل إليه من مصر عمامة من القصب الرفيع مذهبة فلم يحضرها عنده، فوصفت له فلم يلتفت إليها، وبينما هم معه في حديثها، إذ قد جاءه رجل صوفي فأمر له بها فقيل له : إنها لا تصلح لهذا الرجل، ولو أعطي غيرها لكان أنفع له، فقال : "أعطوها له فإني أرجو أن أعّوض عنها في الآخرة". فسلمت إليه فسار بها إلى بغداد فباعها بستمائة دينار أو سبعمائة، وأنا أشك أنها كانت تساوي أكثر.



5- قال رضيع الخاتون " زوجة نور الدين " : إنها قلت عليها النفقة ولم يكفها ما كان قد قّرره لها، فأرسلتني إليه أطلب منه زيادة في وظيفتها (أي مخصصاتها المالية)؟ فلما قلت له ذلك تنكر واحمّر وجهه ثم قال : "من أين أعطيها، أما يكفيها مالها؟ والله لا أخوض نار جهنم في هواها، إن كان تظن أن الذي بيدي من الأموال هي لي فبئس الظن؛ إنما هي أموال المسلمين ومرصدة لمصالحهم ومعدّة لفتق – إن كان – من عّدو الإسلام وأنا خازنهم عليها فلا أخونهم فيها"، ثم قال : لي بمدينة حمص ثلاث دكاكين ملكاً قد وهبتها إياها فلتأخذها : وكان يحصل منها قدر قليل نحو عشرين ديناراً.

6- قال ابن كثير : كان نور الدين عفيف البطن والفرج، مقتصداً في الإنفاق على أهله وعياله في المطعم والملبس حتى قيل : "إنه كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه، من غير اكتناز ولا استئثار بالدنيا".



وكان عمر الملاّء رجلاً من الصالحين الزاهدين، وكان نور الدين يستقرض منه في كل رمضان ما يفطر عليه، وكان يرسل له بفتيت ورقاق فيفطر عليه. وكان إذا أقام الولائم العظيمة لا يمّد يده إليها إنما يأكل من طبق خاص فيه طعام بسيط.
*أين يسكن ليث الإسلام
وأما مقّر سكن حاكم الجزيرة والشام ومصر واليمن فكانت دار متواضعة تطل على النهر الداخل إلى القلعة من الشمال، ألحق بها صُفّة يخلو فيها للعبادة، فلما ضربت الزلازل دمشق، بنى بإزاء تلك الصفة بيتا من الأخشاب : فهو يبيت فيه ويصبح ويخلو بعبادته ولايبرح. ولما توفي دفن في البيت البسيط المقام من الأخشاب.


7- زهده في الألقاب :
عندما تفقد قيادة ما القدرة على الإسهام الجادّ في حركة التاريخ، يتحول همها إلى منح النياشين والألقاب لمن يقدرون من أجل أن تغطي عجزها وإنكماشها، لكن رجلاً فاعلاً كنور الدين يرفض هذه (المنح) خوفاً أن يكون في طياتها الكذب والمبالغة والزيف، وخوفاً أن تقوده إلى نوع من الاعتداد والغرور كثيراً ما انتهى إليهما القادة العاملون وأما نور الدين الذي علمه التجرد كيف يكون الرفض فإنه يتمنع حتى النهاية عن الذهاب مع الإغراء إلى ما يريد الشيطان لا ما يريد الله تلقى يوماً من بغداد هدية تشريف عباسيه ومعها "قائمة" بألقابه التي كان يذكر بها على منابر بغداد : "... اللهم أصلح المولى السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط المثاغر نور الدين وعدته ركن الإسلام وسيفه، قسيم الدولة وعمادها، اختيار الخلافة ومعزها، رضيّ الإمامة وأثيرها، فخر الملّة ومجدها، وشمس المعاني وملكها، سيد ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محي العدل في العالمين المظلومين من الظالمين ناصر دولة أمير المؤمنين".

لكن نورالدين أسقط جميع الألقاب وطرح دعاءً واحد يقول :" اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي" ، وثمة رواية أخرى تمنحنا مزيداً من الأضواء عن الموضع وتتضمن كلمات وجملاً من إنشاء نور الدين نفسه .. روي أنه كتب رقعة بخطه إلى وزيره خالد بن القيسراني – بعد أن استفزته كثرة الألقاب – بأمره أن يكتب له صورة ما يدعى له به على المنابر، وكان مقصوده صيانة الخطيب عن الكذب ولئلا يقول ما ليس فيه فكتب ابن القيسراني كلاماً ودعا له فيه ثم قال : وأرى أن يقال على المنبر : اللهم وأصلح عبدك الفقير إلى رحمتك، الخاضع لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهد في سبيلك، المرابط لأعداء دينك، أبا القاسم محمود زنكي، فكان جواب نور الدين : هذا لا يدخله كذب ولا تزيّد. وكتب بخطه في أعلى الصفحة: مقصودي أن لا يكذب على المنبر أنا بخلاف كل ما يقال. أفرح بما لا أعمل ؟ والتفت إلى وزيره قائلاً : الذي كتبت به جيد : اكتب به نسخاً إلى البلاد. ثم أضاف ثم يبدأون بالدعاء : اللهم أره الحق حقاً اللهم أسعده اللهم انصره، اللهم وفَّقه .. من هذا الجنس.



إن القيادة التي تريد أن تنهض بالأمة وتمارس فقه النهوض في حياتها عليها أن تمنع كل ما من شأنه أن ينمّي روح النفاق والتزلف للمسؤولين لئن ذلك يوفر النقد البنّاء وحرية الرأي للشعوب حتى يعرف القادة أخطاءهم فيصلحوها في حركته النهضوية، وعلى القيادة أن تتصف بالتجرد لله في أعمالها وتزهد في حطام الدنيا الزائل. لقد كان زهد نور الدين، زهد المؤمن الذي لا يرغب في الدنيا، وما فيها من ملذات وشهوات، ويسعى ويعمل للآخرة دار النعيم والخيرات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Fati
المديــــر العــام
المديــــر العــام
avatar

اسم الدولة : فرنسا

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الزنكية"   الخميس فبراير 19, 2009 11:07 pm

مفهومه للتوحيد الدعاء


حبه للجهاد والشهادة


عبادته

قال فيه ابن عساكر ....



مفهومه للتوحيد وتضرعه ودعاؤه :

كان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد من عمق فهمه للتوحيد ومعرفته بالله تعالى لا يفعل فعلاً إلا بنية حسنة ، وحقق في حياته مفهوم التوحيد الصحيح، وحقق الإيمان بكل معانيه والتزم بشروطه وابتعد عن نواقضه وهذا الموقف العظيم يدل على ما قلنا :

قال له قطب الدين النيسابوري – الفقيه الشافعي – مرة : "بالله لا تخاطر بنفسك، وبالإسلام والمسلمين فإنك عمادهم - فقد نصحه بعدم الاشتراك بالقتال والمخاطرة بنفسه حتى لا يقتل فلا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف وتؤخذ البلاد "، فقال نور الدين :" يا قطب الدين اسكت فإن قولك هذا إساءة أدب على الله، ومن محمود حتى يقال له هذا، قبلي من حفظ البلاد، ذلك الله الذي لا إله إلا هو" فبكى من كان حاضراً

وهذا الذي قاله نورالدين رحمه الله يدخل في صميم مفهوم التوحيد، فالله هو الأول والآخر، والظاهر والباطن وما الناس، ابتداء من أصغر جندي فيهم حتى أكبر قائد إلا أدوات "فاعلة" في يده يحّركها وفق مشيئته وإرادته لتحقيق كلمته في الكون الله عز وجل وكفى. هذا التطبيق العملي لمفهوم الإيمان بالله وتحقيق توحيده الذي لو أدركته قياداتنا عبر التاريخ لعرفت كيف تضع هذا التاريخ لصالحنا نحن لا لصالح الخصوم والأعداء .


وفي ساحة الحرب
حيث الموت على بعد خطوات وحيث لقاء الله آت وراء كل لحظة .. كان نور الدين يذوب تواضعاً وإشفاقاً وتصفه تقواه العميقة في حضور مؤثر أمام الله حيث تتمزق في أعماق وعيه بقايا الستائر والحجب التي ظل يكافح من أجل تمزيقها لكي يقف نقياً .. فعندما التقت قواته في حارم بالصليبيين الذين كانوا يفوقونهم عدة وعدداً انفرد نور الدين تحت تل حارم وسجد لربه عز وجل ومّرغ وجهه وتضرع وقال :" يارب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك. وإيشى فضول محمود في الوسط ؟"

يقول أبو شامة : يشير نور الدين هنا إلى أنك يارب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر.
وبلغني أنه قال : "اللهم انصر دينك ولا تنصر محموداً من الكلب محمود .. حتى ينصر



وفي إحدى المعارك سنة ست وخمسين وخمس مائة، قضى الله بانهزام عسكر المسلمين، وبقي الملك العادل مع شرذمة قليلة، وطائفة يسيرة، واقفاً على تلَّ يقال له تل حبيش وقد قرب عسكر الكُفَّار بحيث اختلط رجّالة المسلمين مع رجالة الكُفَّار، فوقف الملك العادل بحذائهم مولَّيا وجهه إلى قبلة الدُّعاء، حاضراً بجميع قلبه مناجياً ربه بسرّه يقول :" يا رَبَّ العباد، أنا العبد الضعيف ملَّكتني هذه الولاية وأعطيتني هذه النيَّابة، عمرت بلادك، ونصحت عبادك، وأمرتهم بما أمرتني به ونهيتهم عما نهيتني عنه، فرفعت المنكرات من بينهم، وأظهرت شعار دينك في بلادهم، وقد انهزم المسلمون، وأنا لا أقدر على دفع هؤلاء الكفار أعداء دينك ونبيَّك محمد صلى الله عليه وسلم ولا أملك إلا نفسي هذه وقد سلمتها إليك ذاباً عن دينك وناصراً لنبيك"،

فاستجاب الله تعالى دعاءه وأوقع في قلوبهم الرُّعب وأرسل عليهم الخذلان فوقفوا في مواضعهم وما جسروا على الإقدام عليه، وظنوا أن الملك العادل عمل عليهم الحيلة، وأن عسكر المسلمين في الكمين، فإن أقدموا عليه تخرج عساكر المسلمين في الكمين فلا ينفلت منهم أحد فوقفوا وما أقدموا عليه.

ومن خلال المواقف السابقة يبدو نور الدين لا فدائياً فحسب ولكن فقيهاً بقدر الله متبصر بدور الإنسان في حركة التاريخ، عالماً أن إرادة الله إذا شاءت تهيأت لها الأسباب ولن يعجزها شيء ولو مات أو قتل عشرات القادة والمجاهدين، فإن آخر رجل منهم سيحمل المهمة ويواصل الطريق، ومن ثم يستوي – عبر هذه الرؤية – هذا القائد أو ذاك.

وكان نور الدين محمود في أكثر الليالي يصلي ويناجي ربه مقبلاً بوجهه عليه، ويؤدّي الصلوات الخمس في أوقاتها بتمام شرائطها وأركانها وركوعها وسجودها .


ماذا قال الكفار عنه؟؟؟
وبلغنا عن جماعة من الصوفية الذين يعتمد على أقوالهم ممَّن دخلوا ديار القدس للزيارة حكاية عن الكفار، أنهم يقولون : "ابن القسيم، له مع الله سر، فإنه ما يظهر علينا بكثرة جنده وعسكره، وإنما يظفر علينا بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي بالليل ويرفع يده إلى الله ويدعو، فالله سبحانه يستجيب دعاءه، ويعطيه سؤله وما يَرُدّ يده خائبة، فيظفر علينا"، فهذا كلام الكفار في حقه .



إن نور الدين محمود اعتبر الدعاء من أمضى الأسلحة التي تسهم في تحقيق النصر، ومهما أعد المسلمون من أسلحة وعدة وعتاد، فإنهم يظلون عرضة للفشل والهزيمة والإحباط، إذا امتنعوا عن استخدام هذا السلاح، أو أساءوا استخدامه ، ولذلك استخدمه بنفسه وطلب من الزهاد والعباد والعلماء والفقراء والفقهاء كذلك وكان مستوعباً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" هل تنصرون إلا بضعفائكم "([4]).



فالدعاء لله والتعلق به عند قادة النهوض الربانيين والصادقين من المسلمين هو سيد العبادات وأقربها وأحبها إلى الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم : "الدعاء هو العبادة" ([5])، ومفتاح الرحمة ستمطر العباد به مفاتيح رحمة الله تعالى بعد أن تتقطع بهم الأسباب ([6]).
نداء إلينا

أيها الأخوة الكرام المهتمون بنهضة أمتهم والتمكين لدين الله تعالى في الأرض، عليكم بالدعاء فإنه كنز حقيقي من جملة الكنوز التي تنطوي عليها الشريعة الإسلامية فالله تعالى يحض عباده على اقتناص هذا الكنز في مثل قوله تعالى " أدعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين" (الأعراف : 55). وفي مثل قوله تعالى : " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " (غافر، آية : 60) وغالباً ما تحدث الإجابة عاجلاً أم آجلاً : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا لي لعلهم يرشدون " ( البقرة ، آية : 186).





محبته للجهاد والشهادة :
كان نور الدين محمود الشهيد من محبي عبادة الجهاد في سبيل الله ويجد متعته في جهاد الأعداء والمرابطة في الثغور قال العماد الأصفهاني : "حضرت عند نور الدين بدمشق – في شهر صفر – والحديث يجري في طيب دمشق ورقة هوائها وأزهار رياضها وكل منا يمدحها ويطربها، فقال نور الدين : "إنما حب الجهاد يسليني عنها فما أرغب فيها ".



ومرة أخرى نلتقي به وهو يغادر الموصل بعد عشرين يوماً من دخوله إياها عام 566ﻫ فيسأله أصحابه : "إنك تحب الموصل والمقام بها، ونراك أسرعت العود ؟" فيجيب :" قد تغير قلبي فيها فإن لم أفارقها ظلمت ؛؛ ويمنعني أيضاً أنني ها هنا لا أكون مرابطاً للعدو وملازماً للجهاد "




وأما حبه للشهادة، فقد قال عنه أبو شامة : "كان في الحرب ثابت القدم حسن الرمي، صليب الضرب يقدم أصحابه ويتعرض للشهادة وكان يسأل الله تعالى أن يحشره في بطون السَّباع وحواصل الطير"






كانت عقيدة الشهادة تحركه وهذا الإيمان العميق بعقيدة الشهادة في سبيل الله هو الذي دفع أجيالاً من المسلمين إلى ساحات الجهاد طلباً للموت، فأسقطوا الدول، وغيروا الخرائط وسحقوا العروش ومرغوا الأنوف، ولم يموتوا.



فكان نور الدين إذا حضر الحرب أخذ قوسين وجعبتين وباشر القتال بنفسه وكان يقول :"طالما تعرضت للشهادة فلم أرزقها . "



عبادته
كان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد يصلي أكثر الليالي ويناجي ربه مقبلاً بوجهه عليه ويؤدي الصلاة في أوقاتها بتمام شرائطها وأركانها وركوعها وسجودها ويحافظ على الجماعة وكان كثير الابتهال إلى الله عز وجل في أموره كلها وكان من عادة نور الدين أنه ينزل إلى المسجد بغلس، ولا يزال يركع فيه حتى يصلي الصبح.


وقال ابن الأثير : حدثني صديق لنا بدمشق – كان رضيع الخاتون زوجة نور الدين – فقال :" كان نور الدين يصليّ فيطيل الصلاة، وله أوراد في النهار، فإذا جاء الليل وصلى العشاء نام، ثم يستيقظ نصف الليل، ويقوم إلى الوضوء والصلاة والدعاة إلى بكرة، ثم يظهر للركوب ويشتغل بمهام الدولة".



وقال ابن كثير : "كان نور الدين كثير المطالعة للكتب الدينية، متبعاً للآثار النبوية، محافظاً على الصلوات في الجماعات، كثير التلاوة، صموتا وقوراً كان نور الدين كثير الصيام وله أوراد في الليل والنهار، وكان يقدم إشغال المسلمين عليها ثم يتمم أوراده ( فكان يقدم أشغال المسلمين عليها ثم يتمم أوراده )"

هذا هو المنطق الذي علمنا إياه الإسلام والذي يجعل التعبد، الذي هو غاية الخلائق، ممارسة إيجابية تضرب في أعماق الناس فتغيّر نفوسهم، وتمتد إلى حركة التاريخ فتصوغ مسيرته، كان طبيعة تعبد نور الدين يدفعه إلى المسؤولية ويجعله في قلبها وهو أعمق وعياً وأشد خشية وأمضى عزيمة وأقدح ذَكاء .


لقد مارس نور الدين مفهوم العبادة بمفهومها الشامل وأعطت تلك الممارسة ثمارها على مستواه الشخصي والشعبي، وعلى دولته، وتحقيق العبادة من شروط التمكين قال تعالى : " وعد الله الذي ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلق الذين من قبلهم وليمُكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأطيعو الرسول لعلكم ترحمون " (النور : 55 – 56).



فقد أشارت الآيات الكريمة إلى شروط التمكين وهي : الإيمان بكل معانيه وبكافة أركانه، وممارسة العمل الصالح بكل أنواعه والحرص على كل أنواع الخير وصنوف البر، وتحقيق العبودية الشاملة ومحاربة الشرك بكافة أشكاله وأنواعه وخفاياه، وأما لوازم استمرار التمكين فهي : إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .



قال فيه ابن عساكر :
.. ومع ما ذكرت من هذه المناقب كلها وشرحت من دقها وجلّها فهو حسن الخط بالبنان، متأت لمعرفة العلوم بالفهم والبنيان، حريص على تحصيل كتب الصحاح والسنن مقتني لها بأوفر الأعواض والثمن، كثير المطالعة للعلوم الدينية، متتبع للآثار النبوية، مواظب على الصلوات في الجماعات، مراع لآدابها في الأوقات، مؤدياً فروضها ومسنوناتها، معظم لقدرها في جميع حالاتها، عاكف على تلاوة القرآن على مّر الأيام، حريص على فعل الخير من الصدقة والصيام، كثير الدعاء والتسبيح، راغب في صلاة التراويح، عفيف البطن والفرج، مقتصد في الإنفاق ، متحّر في المطاعم والمشارب والملابس، متبّرئ من التمادي، والتباهي والتنافس، عريٌ عن التجبر والتكبّر، بريئ من التنجيم والتطيَّر، مع ما جمع الله له من العقل المتين، والرأي الثاقب الرصين، والاقتداء بسيرة السلف الماضين، والتشبه بالعلماء والصالحين، والاقتفاء بسيرة من سلف منهم في حسن سمتهم، والاتباع لهم في حفظ حالهم ووقتهم حتى روى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وأسمعه وكان قد استجيز له ممن سمعه وجمعه حرصاً منه على الخير في نشر السنة بالأداء والتحدث، ورجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثاً كما جاء في الحديث، فمن رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من ألطافه وتواضعه ما حيرّه، ولقد حكي لي عنه من صحبه في حضره وسفر أنه لم تُسمع منه كلمة فحشى في رضاه ولا ضجره وإن أشهى ما إليه كلمة حق يسمعها أو إرشاد إلى سنة يتبعها، يحب الصالحين ويؤاخيهم، ويزور مساكنهم لحسن ظنه بهم، فإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم، ومتى تكررت الشكاية إليه من أحد ولاته أمر بالكف عن أذى من تكلم بشكاته فمن لم يرجع منهم إلى العدل، قابله بإسقاط المرتبة والعزل، فلما جمع الله له من شريف الخصال، تيسر له ما يقصده من جميع الأعمال، وسهل على يديه فتح الحصون والقلاع، ومكّن له في البلدان والبقاع حتى ملك حصن شيزر، وقلعة دوسر، وهما من أحصن المعاقل والحصون واحتوى على ما فيهما من الذخر المصون من غير سفك محجمه من دم في طلبهما ولا قتل أحد من المسلمين بسببهما، وأكثر ما أخذه من البلدان، بتسليمه من أهله بالأمان، ووفي لهم بالعهود والإيمان فأوصلهم إلى مأمنهم من المكان. وإذا استشهد أحد من أجناده حفظه في أهله وأولاده، وأجرى عليهم الجرايات، وولى من كان أهلاً منهم للولايات، وكلما فتح الله عليه فتحاً وزاده ولاية أسقط عن رعيته قسطا وزادهم رعاية، حتى ارتفعت عنهم الظلامات والمكوس، واتضعت في جميع ولايته الغرامات والنحوس ودرّت على رعاياه الأرزاق ونفقت عندهم الأسواق، وحصل بينهم بيمنه الاتفاق، وزال ببركته العناد والشقاق .. إلى أن قال : فالله يحقن به الدماء ويسكن به الدهماء ويديم له النعماء ويبلغ مجده السماء ويرجى الصالحات على يديه، ويجعل منه واقية عليه، فقد ألقى أزمتنا إليه وأحصى علم حاجتنا إليه، ومناقبه خطيرة، وممادحه كثيرة، ذكرت منها غيضاً من فيض، وقليلاً من كثير، وقد مدحه جماعة من الشعراء فأكثروا، ولم يبلغوا وصف آلائه بل قصروا وهو قليل الابتهاج بالشعر، زيادة في تواضعه لعلو القدرة، فالله يديم على الرعية ظله وينشر فيهم رأفته وعدله، ويبلغه في دينه ودنياه مأموله، ويختم بالسعادة والتوفيق أعماله فهو بالإجابة جدير على ما يشاء قدير .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الدولة الزنكية"
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» اعرف اكثر عن زوجات الرسول"صلى الله عليه وسلم"
» شو بدنا نساوي العمر رايح " أغنية غآية بالحزن "
» قصيدة "قل للطبيب "للإمام الشافعى رحمه الله
» شرح قصيدة "نحن في الخليج "
» الى محبى ابو مازن " المجموعه الكامله لأ بو مازن"

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة :: الموسوعــــات :: الموسوعــــة التاريخيــــة-
انتقل الى: