ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة

ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة

منتــــــــــــــــــــدى منـــــــــــــــوع موسوعــي
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخولاتصل بنا
لكل الكرام المسجلين في منتديات ليل الغربة ، نود اعلامكم بأن تفعيل حسابكم سيكون عبر ايميلاتكم الخاصة لذا يرجى العلم برفقتكم الورد والجلنار
سأكتب لكم بحرف التاسع والعشرين .. لكل من هُجرْ ، واتخذ من الغربة وطناَ .لكل من هاجر من اجل لقمة العيش ، واتخذ من الغربة وطناً لكم جميعا بعيدا عن الطائفية والعرقية وغربة الاوطان نكتب بكل اللغات للأهل والاحبة والاصدقاء نسأل ، نستفسر عن اسماء او عناوين نفتقد لها نهدي ،نفضفض ، نقول شعرا او خاطرة او كلمة اهديكم ورودي وعطر النرجس ، يعطر صباحاتكم ومساءاتكم ، ويُسكن الراح قلوبكم .
احتراماتي للجميع
شاطر | 
 

 مكيافيلي - مختارات من كتاب : المطارحات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Fati
المدير العام
أديبة وكاتبة


اسم الدولة: العراق

مُساهمةموضوع: مكيافيلي - مختارات من كتاب : المطارحات   الثلاثاء يوليو 15, 2008 1:54 am

نيقولا مكيافيلي (1469-1527)

ولد نيقولا مكيافيلي (Machiavelli) من عائلة عريقة عام 1469 في مدينة فلورنسا الإيطالية. وخلال نشأته في هذه المدينة قُدر لمكيافيلي أن يشهد تحولات أساسية في تركيبة النظام السياسي في فلورنسا. فقد انتقلت السلطة من عائلة مديتشي إلى سافونارولا[1][1]، رجل الدين المستبد الذي حكم فلورنسا لمدة ثلاث سنوات سقط على إثرها فاسحا المجال أمام قيام نظام جمهوري دام من عام 1498 حتى عام 1512 حيث عادت أسرة مديتشي للحكم.

تثقف مكيافيلي ثقافة عصره وكانت له صداقات واسعة في أوساط الكتاب والمفكرين، مما سمح له الحصول على ثقافة واسعة في القانون والسياسة والتاريخ والفلسفة. وهذا ما أتاح له الحصول على منصب المستشار العام للدولة في فلورنسا الجمهورية عام 1498 حيث بقي فيه لمدة أربعة عشر عاما أي حتى سقوط العهد الجمهوري فيها عام 1512. لقد كان هذا المنصب مهما في حياة مكيافيلي، إذ سُمح له أن يكون على صلة مباشرة بشؤون الدولة السياسية، الداخلية منها والخارجية. إذ كثيراً ما قام مكيافيلي بمهمات دبلوماسية خارج فلورنسا: منها أربع مهمات قام بها عند ملك فرنسا، وواحدة عند إمبراطور ألمانيا واثنتان عند الباب العالي، وغيرها عند القيصر بورجيا[2][2] الذي كان مكيافيلي معجباً به.

هكذا كان مكيافيلي في مركز يؤهله لفهم خفايا سياسات الدول والتعبير عنها في مؤلفاته التي وضعها في التوسكاني بعد نفيه من خدمة آل مديتشي بعد اتهامه بالاشتراك بمؤامرة جمهورية للإطاحة بالأسرة الحاكمة. فاعتُقل مع المتآمرين، ونُزعت منه المسؤوليات، وأبعد عن وظيفته ليعيش في عزلة قسرية في دار للعائلة لمدة اثني عشر عاما قضاها وهو يأمل العفو عنه والعودة إلى وظيفته ولكن دون جدوى.

وتوفي عام 1527 تاركا وراءه إرثا فكريا قيما ما زال يعتبر من أهم ما وُضع في تلك الفترة من الزمن.

من أهم المؤلفات التي تركها مكيافيلي كتاب "الأمير" الذي وضع في العام 1513، وتلاه كتاب "المطارحات" (1517)، والخطب أي "أحاديث عن كتب تيتوس ليفيوس[3][3] العشر الأولى" و "فن الحرب" اللذان وضعهما في العام 1521، وأخيرا مؤلفه "تاريخ فلورنسا" الذي تم نشره في عام 1525.

مكيافيلي: مختارات من كتاب "المطارحات"

عن أنواع الحكومات ومن أي نوع كانت حكومة روما

أرى أن لا أتحدث عن المدن التي كانت منذ مستهل عهدها خاضعة لسلطة مدن أخرى، وان احصر حديثي في المدن التي كانت منذ بداية نشوئها في منجاة من أية عبودية خارجية، وكانت تُحكم طبقاً لرغباتها وحدها، سواء أكانت من الجمهوريات أو من الإمارات. ولما كانت هذه المدن تختلف في منشئها، فقد اختلفت أيضاً في قوانينها ومؤسساتها. فلقد أتيح لبعضها منذ مستهل عهدها، أو بعد قيامها بأمد قصير، شخص يظهر في وقت من الأوقات يشرع لها قوانينها، كما حدث بالنسبة لإسبارطة، التي سن لها ليكرجوس[4][4] شرائعها، بينما حصل البعض الآخر، عرضاً على هذه القوانين في أوقات متفاوتة، بتفاوت الظروف، وهذا ما حدث بالنسبة إلى روما مثلاً.

ولا ريب انها حكومة سعيدة تلك الحكومة الشعبية، التي تُخرج رجلاً حكيماً، يستطيع الناس الحياة بأمن ودعة في ظل القوانين التي يضعها لها والتي لا يضطرون إلى تقويمها. ولقد ظلت إسبارطة مثلاً، تحترم قوانينها اكثر من ثمانمائة عام، دون إفسادها، ودون أن تحس بإزعاج يهددها. اما المدينة التي لم يتح لها الحظ منظماً عاقلاً ينظم لها شؤونها، والتي تضطر هي بنفسها إلى القيام بهذا التنظيم، فتكون تعيسة الحظ شقية. ولعل أتعس منها حظاً تلك التي تكون بعيدة عن النظام، أشقى من هذه كلها، تلك التي أخطأت منظماتها طريق الصواب الذي يقودها إلى مصيرها الصحيح والحق. إذ يستحيل حتماً، ان تعاد مثل هذه الدول إلى الطريق الصحيح ثانية، وقد تتحول إلى مرتبة الكمال الحكومة التي تبدأ بداية طيبة وتستطيع تحسين أحوالها، على الرغم من عدم صحة نظامها، إذا أتاحت لها الفرص ذلك. ولكن يجب ان يلاحظ على أي حال، ان إدخال النظام إليها ينطوي على بعض الخطر، إذ ان قلة من الناس، هي تلك التي ترحب بالقوانين الجديدة التي تعرض النظام الجديد في الدولة. الا إذا شعر الجميع بضرورة هذه القوانين بشكل واضح. ولما كانت مثل هذه الضرورة لا تنشأ عادة الا مصحوبة بالأخطار، فان الدولة قد تتعرض إلى الخراب، قبل ان تصل القوانين الجديدة إلى مرحلة التمام. ولعل فلورنسا هي خير مثل على ما أقول، فقد أعيد تنظيمها بعدما حدث في اريزو، ولكن دستورها تعرض للدمار بعد ما حدث في براتو.

ولما كان هدفي الحديث عن منظمات مدينة روما، وعن الأحداث التي أدت إلى كمالها، فإنني أود القول بأن الذين كتبوا عن الدول، يقولون انها (أي هذه الدول) لا بد وان تكون منطوية على أحد أشكال الحكم الثلاثة، وهي الإمارة، وحكم النبلاء، وحكم الشعب، وان على من يقيمون حكومة في أية دولة معينة، ان يتبنوا أحد هذه الأشكال الثلاثة، طبقاً لما يتفق وأهدافهم.

وهناك آخرون يقولون، ويعتقد البعض ان حكمهم اكثر صواباً، ان ثمة ستة أشكال من الحكومات، ثلاثة منها سيئة للغاية، وثلاثة حسنة في طبيعتها ولكن من السهل إفسادها، ولذا فمن الواجب اعتبارها من النوع السيئ أيضاً. أما الأنواع الحسنة الثلاثة فهي التي سبق لي ذكرها قبل قليل. وتكون الأشكال السيئة الثلاثة تابعة الثلاثة السابقة، وتتشابه مع تلك التي ترتبط إليها إلى حد يجعل من السهل جداً على أية دولة التحول من شكل منها إلى آخر. فمن اليسير التحول من الإمارة إلى حكم الطغيان ومن حكومة النبلاء (الأرستقراطية) إلى حكم القلة (الأوليغاركي) ومن حكومة الشعب (الديموقراطية) إلى الفوضى. وهكذا يكون من يقوم على تشكيل حكومة ويختار لها أحد الأشكال الثلاثة الأولى، قد اختار لها في الواقع حكماً مؤقتاً، إذ ليس ثمة من سبيل للحيلولة دون تحوله إلى نقيضه، وذلك بسبب ما يقوم بين الفضيلة والرذيلة في مثل هذه الأحوال من تشابه.

وترجع هذه الاختلافات في الحكومات بين الناس إلى مجرد الحظ. فلقد كانوا يعيشون في الحياة في العالم، وعندما كان عددهم قليلاً أشتاتاً متفرقين كالحيوانات. ومع تكاثر ذريتهم، بدأ الناس يقتربون من بعضهم البعض، وحرصاً منهم على تحسين وسائل الدفاع عن أنفسهم، شرعوا يتطلعون إلى رجل منهم، يكون اكبر قوة وأكثر شجاعة من غيره فينصبونه رئيساً عليهم ويدينون له بالطاعة.

وهكذا بدأ الناس يتعلمون التمييز بين النبيل والطيب من ناحية، وبين السيئ والشرير من الناحية الأخرى، وذلك لأن مرأى من يسيء إلى صاحب الفضل عليه، يستفز لديهم الكراهية للمسيء والعطف على المساء إليه، وأخذوا يوجهون اللوم إلى ناكر الجميل، وينظرون بعين الاحترام إلى كل من يقدر المعروف لأهله، ذاكرين ان عين الإساءات قد توجه إلى كل واحد منهم. وهكذا أخذوا، رغبة منهم في منع شرور من هذا القبيل، يشرعون القوانين ويفرضون العقوبات على كل من يخالفها. وظهرت فكرة العدالة إلى حيز الوجود.

وحدث، على هذا النحو، أن الناس، عندما أخذوا يبحثون عن أمير لاختياره، شرعوا لا يختارون أشجعهم، كما كان الوضع في السابق، بل أكثرهم حكمة وعدالة.

وعندما بدأوا في قبول الأمراء بالوراثة بدلاً من انتخابهم، وذلك في المرحلة التي تلت، اخذ هؤلاء الورثاء في التدهور بالنسبة إلى أسلافهم، وشرعوا يهجرون أعمال الفضيلة، ويعتبرون ان على الأمراء ان لا يعملوا شيئاً سوى التفوق على الآخرين في الإنفاق، والإقبال على الشهوات والمباذل على اختلاف أنواعها. وهذا أدى إلى تركيز الكراهية على الأمراء، الذين يلجأون إلى الخوف متى أحسوا بكراهية الناس لهم مما يؤدي بهم إلى أعمال العنف التي تنتج حكم الطغيان، وبسرعة متناهية.

ويكون حكم الطغيان في وقت قصير مصدراً لسقوط الأمراء، إذ انه يولد المؤامرات والدسائس ضد أشخاصهم ويقوم على تنظيمها أناس ليسوا بالجبناء ولا بالضعفاء، وإنما من المعروفين بميولهم التحررية، وعظمتهم وثرائهم وكفايتهم، وذلك لأن مثل هؤلاء لا يستطيعون الرضى بالحياة التي يعيشها الأمراء. وتحمل الجماهير السلاح بتحريض من هؤلاء القادة الأقوياء ضد الأمراء، وعندما تنتهي من تصفية أمرهم، تخضع لسلطان أولئك الذين تنظر إليهم على انهم محرروها. وهكذا يقوم هؤلاء، الذين ينطبق عليهم تعبير "الرئيس الفرد"، بتأليف الحكومات، فيستهلون عهودهم نظراً لتذكرهم ما عانوه في ظل الطغيان، بالحكم طبقاً للقوانين التي يشرعونها، ويخضعون مصالحهم للخير العام ويحكمون ويحافظون على النظام في الشؤون الخاصة والعامة على حد سواء، بمنتهى الدقة والضبط.

ولكن عندما كانت إدارة الحكم تنتقل إلى أفراد ذريتهم الذين لا خبرة لهم بتقلبات الحظ، والذين لم يمروا بفترات عصيبة، ولم يكونوا يشاءون القناعة بالعدالة المدنية السائدة، فأنهم كانوا يلجأون إلى الطمع والطموح، واغتصاب الناس نساءهم، مما يحيل حكومات النبلاء إلى حكومات القلة (الأوليغاركية)، التي تُهمَل فيها الحقوق المدنية تمام الإهمال، فيقع لهم ما وقع للطاغية من قبل، لأن الجماهير تملّ حكمهم، وتضحي على استعداد لعون كل من يضع خطة لمهاجمتهم، وسرعان ما يبرز إنسان يستطيع بمساعدة الجماهير ومساندتها القضاء عليهم، وتصفية أمرهم.

ولما كانت ذكريات الأمير ما تزال مائلة في عقول هذه الجماهير، ولما كانت معايبه ومخازية، لا تزال حديثة العهد في واعياتهم، ولما كانوا قد تخلصوا من حكم القلة، فأنهم، يظهرون ميلاً واضحاً إلى عدم العودة إلى حكم الأمراء، فيتجهون إلى نظام حكم الشعب (الديموقراطي)، وينظمونه بشكل يضمن عدم تركيز السلطة لا في قلة من الرجال الأقوياء، ولا في أمير من الأمراء.




مدونة النــأي
مدونـة موسوعـة شارع المتنبـي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي


موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
http://www.ahewar.org/eng/search.asp?name=1&U=1&site=1&title=1&code=eng&Q=fatima+elfalahy&submit1=Search
موقعي في الحوار المتمدن - عربي
http://www.ahewar.org/m.asp?i=2548


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hifati.fr.cc
Fati
المدير العام
أديبة وكاتبة


اسم الدولة: العراق

مُساهمةموضوع: رد: مكيافيلي - مختارات من كتاب : المطارحات   الثلاثاء يوليو 15, 2008 1:55 am

ولما كانت جميع أنواع الحكومات تحظى بالاحترام في مستهل عهدها إلى حد ما، يحافظ هذا الطراز الديموقراطي من الحكم على نفسه أمداً ما، ولكن هذا الأمد لا يطول، ولا سيما عندما يكون الجيل الذي قام على تنظيمه قد قضى نحبه ومضى. وسرعان ما تسود الفوضى، ولا يظل ثمة احترام لا للفرد ولا للموظف الرسمي، ولما كان كل إنسان يعمل ما يشاء في ظل عهد كهذا، فسرعان ما تُرتكب جميع أنواع الشرور والمخالفات، وتحل النتيجة المحتومة، فتعود الإمارة إلى الحكم، اما تلبية لنصيحة إنسان طيب عاقل، أو رغبة في الخلاص من هذه الفوضى على أي سبيل. وتعود الحلقة من جديد، مرحلة، على النحو الذي فصلت، حتى تصل إلى الفوضى ثانية.

هذه هي الحلقة التي تمر بها جميع الحكومات، سواء أكانت مستقلة تحكم نفسها بنفسها، أو تابعة لحكم أجنبي. ولكن يندر ان تعود نفس الحكومة إلى نفس الشكل من الحكم في المرة الثانية. وذلك لسبب واحد، وهو ندرة تمتع الحكومات بتلك الحيوية التي تضمن لها الصمود أمام جميع هذه التقلبات، والبقاء بعدها في حيز الوجود. وما يحدث عادة هو ان هذه الحكومات، وهي تفتقر في هذه الحالة التي يسودها الهرج والمرج، إلى المشورة الصادقة والقوة، تغدو تابعة إلى دولة مجاورة لها، أحسن منها تنظيماً. ولولا ذلك، لظلت الحكومات تسير في تلك الحلقة المفرغة من التحول إلى ابد الآبدين.

وعلى ضوء ما ذكرت، أرى ان جميع أشكال الحكم التي شرحتها سابقاً ليست من النوع المرضي أبداً، وذلك لأن عمر الحكومات الطيبة قصير، ولان حياة الحكومات السيئة مليئة بالشرور والآثام. وهذا هو السبب الذي يحمل المشرعين العاقلين الذين يعرفون معايبها على الامتناع عن تبني أي من أشكال الحكم هذه، واختيار بديل عنها، يتمثل في شكل من أشكال الحكم يشترك فيه الجميع، وذلك لأنهم يرون ان هذا الشكل اكثر قوة وثباتاً، إذ لو وجد حكم الأمراء والنبلاء في دولة واحدة، لاحتفظ كل من هذه الفئات لنفسها بحق مراقبة الآخرين.

وكان ليكرجوس أحد الذين استحقوا الثناء العاطر على إقامة حكومة من هذا الطراز. فلقد عهد الدستور الذي سنه لمدينة إسبارطة إلى كل من الملوك والنبلاء وجمهرة الشعب، بمهام خاصة بها. وهكذا ادخل شكلا من أشكال الحكم، قدر له البقاء أكثر من ثمانمائة عام، مما حقق له الثناء ولمدينته الهدوء والاستقرار.

ولم تكن هذه هي حالة صولون[5][5]، الذي وضع لأثينا شرائعها، فقد أقام فيها شكلاً ديموقراطياً من أشكال الحكم، لم يقدر له ان يعمر طويلاً، وقضي عليه ان يشهد قبل موته ولادة حكم طاغ في ظل بيزيستراتوس[6][6]. وعلى الرغم من ان المدينة قد طردت ورثة هذا الطاغية، قبل انقضاء أقل من أربعين عاماً، وعلى الرغم من عودتها إلى ظلال الحرية بعد ان تنبت من جديد شكلاً ديموقراطياً من أشكال الحكم، لشرائع صولون، الا ان هذه الحرية لم تعش طويلاً، ولم يتجاوز عمرها هذه المرة المائة عام. وعلى الرغم من الحقيقة الواقعة وهي ان عدداً من الدساتير قد سن للحد من غطرسة الطبقة العالية، وتطرف طبقة العامة، الذي لم يضع له صولون حدوداً أو قيوداً. الا ان حياة أثينا لم تكن طويلة إذا ما قيست بحياة إسبارطة، وذلك لا، نظام صولون الديموقراطي لم يمتزج بسلطان الأمراء أو النبلاء.

وننتقل الآن إلى روما، فعلى الرغم من الحقيقة الواقعة وهي ان القدر لم يشأ لها أن تحبى بشخص كليكرجوس، يمنحها منذ استهلال عهدها، دستوراً من النوع الذي يضمن لها حياة طويلة من الحرية، الا ان الاحتكاك بين مجلسي العامة والشيوخ، قد أدى إلى وقوع أمور كثيرة لعب فيها الحظ الدور الذي يقدر للشارع ان يلعبه أو يؤديه. وهكذا إذا لم تكن روما قد حصلت من الحظ على عطيّته الأولى، فإنها قد حصلت حتماً على عطيّته الثانية. وذلك لأن تنظيماتها المبكرة، على الرغم مما كان فيها من عيوب، لم تسر سيراً خاطئاً، وإنما مهدت السبيل نحو الكمال، ولان روملوس[7][7] وغيره من الملوك، استنوا عدداً من القوانين التي تتلاءم مع الحرية وتتوافق معها. ولكن لما كان هدفهم إقامة مملكة لا جمهورية، بعد ان حققت المدينة حريتها، فان هذه المملكة كانت تفتقر إلى العديد من التنظيمات اللازمة للحفاظ على الحرية، وهي تنظيمات كان من اللازم وجودها، بالنظر إلى عدم ضمان الملوك لها. وهكذا فعندما فقد ملوكها سيادتهم، لأسباب، وبطريقة سبق لي أن شرحتها في مستهل هذه المطارحة، فان أولئك الذين طرودهم من الحكم، لجأوا فوراً إلى اختيار قنصلين، يقومان بأعباء الملك، مما أدى إلى ان ما وقع عليه الطرد بالفعل، لم يتعد لقب الملك نفسه، لا السلطان الملكي. وهكذا وجد، في ظل الجمهورية الآن، وفي هذه المرحلة، القنصلان، ومجلس الشيوخ، مما عنى ان الشكل الجديد للحكم فيها قد ضم عنصرين فقط من العناصر الثلاثة التي سبق لي تعدادها، وهما الإمارة، والنبلاء. ولم يبق هناك الا العثور على مكان للعنصر الثالث وهو الديموقراطية. وقد تم هذا عندما غدا النبلاء الرومانيون من النوع الذي لا يطاق، ... مما حمل الشعب على الثورة عليهم، ومما دفعهم هم، خوفاً من إضاعة كل شيء إلى منح الشعب حصة في الحكم، مع احتفاظ مجلس الشيوخ والقنصلية، على أي حال، بالسلطة الكافية للحفاظ على مركز النبلاء في الدولة.

وهكذا بدأ الشعب يعين ممثليه (التربيون-Tribune). وأدى تعيينهم إلى إيجاد الكثير من الاستقرار في شكل الحكم في الدولة، إذا ان العناصر اللازمة الثلاثة قد تمثلت فيه. ونستنتج من هذا ان روما كانت سعيدة الطالع للغاية، لأن الانتقال من الملكية إلى حكم النبلاء، ومن الأخير إلى الديمقراطية، قد جرى في نفس المراحل، ولعين الاسباب التي حددتها في مستهل هذه الاطروحة، دون أن يؤدي انتقال السلطة للنبلاء الى إلغاء النظام الملكي ودون ان يؤدى إشراك الشعب في الحكم إلى انتزاع السلطة كلية من النبلاء، ولقد أدى امتزاج العناصر الثلاثة على النقيض من ذلك، إلى قيام دولة مثالية كاملة. ولما كان الاحتكاك بين العامة والشيوخ، هو الذي حقق هذا الكمال، فقد رأيت ان اعرض في الفصلين التاليين عرضاً وافياً الطريقة التي تحقق فيها ذلك.

هل كان في الإمكان إقامة حكم في روما يقضي على الشحناء بين الشعب والنبلاء؟
كنا نتحدث قبل قليل عن النتائج الناجمة عن أوجه الخلاف بين الشعب ومجلس الشيوخ. ولما كانت هذه الخلافات قد استمرت حتى عهد "الغراتشيين"[8][8] الذين تشبهوا بالملوك، إذ تحولت آنذاك إلى الأسباب التي أدت إلى القضاء على الحرية، فقد يتبادر إلى ذهن أي إنسان ان يتساءل، هل كان في استطاعة روما ان تحقق الأشياء المجيدة التي حققتها، لو لم توجد هذه الخلافات. وهنا يبدو لي ان من الجدير ان نبحث فيما إذا كان في الإمكان إقامة نظام للحكم في روما، من شأنه تبديد هذه الخلافات، وإزالتها لو قدر له ان يقوم. وللبحث في هذا الموضوع، أرى لزاماً علينا ان ندرس أوضاع الجمهوريات التي كانت في نجوة من العداوات والفتن، والتي تمكنت مع ذلك من التمتع بحياة طويلة من الحرية، وان تتحدى أشكال حكوماتها، لنرى هل كان في الإمكان تطبيقها في روما.

وقد سبق لي ان أشرت ان إسبارطة تقوم بين الدول القديمة نموذجاً على هذه الجمهوريات، كما تقوم البندقية بين الدول الحديثة طرازاً لها. فقد أقامت إسبارطة لها ملكاً يحكمها وإلى جانبه في الحكم مجلس صغير للشيوخ. أما البندقية فلم تميز بين مختلف الأسماء بالنسبة إلى المشتركين من أصحابها في الحكومة، بل صنفت جميع اللائقين بالمناصب الإدارية في مصنف واحد أطلقت عليه اسم النبلاء أو السادة. وكان الفضل في هذا الأسلوب للحظ وحده لا لحكمة مشرعيها، فأن الكثيرين من الناس الذين تجمعوا حول هذه الشطآن الرملية التي تقوم عليها المدينة الآن، والذين اختاروها مقراً لهم بالنسبة إلى الأسباب التي سبق لي شرحها، أخذوا يزدادون عدداً، إلى أن بلغوا حداً تطلب وضع الشرائع اللازمة لتنظيم حياتهم إذا أرادوا الاستمرار فيها، وهكذا ابتكروا شكلاً جديداً لحكومتهم. وكانوا قد ألفوا الاجتماع إلى بعضهم البعض للتحدث في شؤون مدينتهم، وهكذا قرروا عندما بدا لهم ان عدد سكان المدينة اصبح كافياً لتشكيل كيان سياسي، عدم إشراك جميع من يفد حديثاً إلى المدينة للعيش فيها، في شؤون الحكومة. وعندما وجدوا مع مضي الزمن ان هناك عدداً كبيراً من السكان في المدينة قد حيل بينهم وبين الحكم، ورغبة منهم في إضفاء صفة الاحترام على الحاكمين، أطلقوا عليهم اسم السادة النبلاء، وعلى الباقين اسم العامة.

...

[وعلى ضوء ما تقدم كله] أجد نفسي واثقا كل الثقة ان إقامة جمهورية يقصد لها البقاء طويلا، يتطلب وضعها على غرار ما كانت عليه إسبارطة والبندقية، على ان يُشرع في تقوية مركزها وجعله منيعا بحيث تصبح صعبة المراس على كل من يحلم في الاستيلاء عليها عن طريق هجوم مباغت يقوم به عليها، وعلى ان لا توسع من الناحية الأخرى، إلى الحد الذي يظهرها بمظهر من يبعث الرهبة والفزع عند جيرانه. ولا ريب انها ستتمكن بهذه الطريقة من التمتع بشكل الحكومة الذي اختارته لنفسها أمداً طويلاً. ولا تشن الحروب في العادة على الدول الا لسببين أولهما، الرغبة في إخضاعها، وثانيهما الخشية منها. وإذا ما اتبعت الاحتياطات السابقة، انعدم هذان السببان، وذلك لأن تحصين الدولة وجعلها منيعة بحيث يتعذر الاستيلاء عليها عن طريق الهجوم، يبعد فكرة المحاولة نفسها. عن كل طامع في السيطرة عليها. وإذا كانت في الوقت نفسها راضية عما تملكه، واتضح عن طريق الاختبار، ان لا مطامح لها، فلن يدور في خلد أحد شن الحرب عليها ليدرأ عن نفسه خطر هجومها عليه، وهو خطر يخشاه ويفزع منه، ولا سيما إذا نص دستورها ونصت شرائعها على تحريم التوسع. وليس لدي أدنى شك في ان الحفاظ على مثل هذا التوازن يؤدي إلى وجود حياة سياسية أصيلة، وإلى سيادة الهدوء والطمأنينة في مثل هذه المدينة.

ولما كانت جميع القضايا الإنسانية من الناحية الأخرى، في حالة مستمرة من الحركة والتمدد، ولا يمكن لها ان تقف جامدة راكدة، فان هذه القضايا تكون معرضة دائماً، اما إلى التحسن أو إلى التدهور والانهيار، وقد تدفعك الضرورة إلى القيام بأعمال كثيرة، قد لا يقف التعقل والمنطق إلى جانبها. وهكذا فإذا أقيمت إحدى الدول على أساس الحفاظ على الوضع الراهن دون أي تطلع إلى توسع أو تمدد. ثم دفعت بها الضرورة إلى التوسع فان مبادئها الأساسية تنقلب رأساً على عقب، وسرعان ما تصبح معرضة للخراب. أما إذا آثرت السماء من الناحية الأخرى، ان تكون كريمة معها وان تجنبها أخطار الحروب، فان الكسل والتراخي سرعان ما يعرضانها إما إلى التخنث، أو إلى تعدد الشيع والأحزاب، وكلا الأمرين يؤدي بصورة فردية أو مجتمعة إلى انهيارها.

ولما كان من المستحيل في رأيي، الإبقاء على التوازن قائماً بشكل رائع يضمن استمرار سير الأمور في هذا الطريق الوسط المعتدل، فأن من واجب كل من يقيم جمهورية، ان يدرس احتمال قيامها بدور أكثر كرماً وشرفاً، بان يجعل منها، في حالة اضطرارها إلى التوسع بدافع الضرورة، دولة قوية تستطيع الحفاظ على ما امتلكته. وهكذا إذا عدنا إلى النقطة الأولى التي بدأنا منها، والتي أثرناها، فأنا مقتنع بضرورة تبني الطراز الروماني للدستور، لا أي طراز آخر، وذلك لأن العثور على طريق وسط، بين النقيضين المتباعدين، أمر متعذر وغير ممكن.

أما المشاحنات بين العامة والشيوخ، فيجب النظر اليها، على انها إزعاج لا بد منه، لتحقيق العظمة التي وصلت اليها روما. وبالإضافة إلى الأسباب التي سبق لنا تعدادها، لإظهار ما لسلطة المدافعين عن الشعب (التربيون) من ضرورة لحماية الحرية. فمن السهل علينا ان نرى الفوائد التي يمكن للجمهورية ان تجنيها عندما تكون هناك سلطة، تستطيع توجيه الاتهامات في المحاكم، وهي سلطة كانت ضمن الصلاحيات التي خولها المدافعون عن الشعب ...




مدونة النــأي
مدونـة موسوعـة شارع المتنبـي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي


موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
http://www.ahewar.org/eng/search.asp?name=1&U=1&site=1&title=1&code=eng&Q=fatima+elfalahy&submit1=Search
موقعي في الحوار المتمدن - عربي
http://www.ahewar.org/m.asp?i=2548


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hifati.fr.cc
Fati
المدير العام
أديبة وكاتبة


اسم الدولة: العراق

مُساهمةموضوع: رد: مكيافيلي - مختارات من كتاب : المطارحات   الثلاثاء يوليو 15, 2008 1:56 am

أهمية المقاضاة العلنية في الحفاظ على الحرية في الجمهورية
ليست هناك سلطة اكثر نفعاً، واشد ضرورة للعناية بالحريات في الدولة، من تلك التي تمنح إلى أولئك الذين يندبون للعناية بهذه الحريات والتي تخولهم مقاضاة بعض المواطنين الذين يرتكبون الجنح والجرائم المؤذية لحرية الدولة أمام جماهير الشعب، أو أمام بعض القضاة في المحاكم. ولمثل هذا التنظيم فائدتان نافعتان كل النفع في حياة الجمهوريات. اما الفائدة الأولى، فهي ان هذا التنظيم يحمل المواطنين، خوفاً من القضاء والاتهام، على تجنب القيام بأي عمل يضر بمصلحة الدولة، لأنهم ان حاولوا ذلك، تعرضوا للعقوبة، مهما كانت منازلهم، ومهما علت مراتبهم. واما الفائدة الثانية، فهي ان يؤمن المتنفس للمشاعر السيئة التي قد يحس بها الأهلون في بعض المدن تجاه مواطن معين، لسبب أو لآخر، وقد تنمو مع الزمن، وإذا تعذر وجود هذا المتنفس، تفاقمت المشاعر إلى الحد الذي يدفعها إلى القيام بأعمال غير طبيعية، وبأساليب شاذة قد تُطيح بالجمهورية كلها في مهاوي التهلكة، والكارثة. فليس ثمة من وسيلة افضل لدعم الجمهورية، وتقوية مركزها، من مثل هذه التنظيمات، التي تؤمن عن طريق القانون المتنفس الصالح للمشاعر المتقلبة التي تفسد على الجمهورية أمنها وهدوءها.

ويمكن التدليل على هذه الحقيقية بعدد من الشواهد والأمثلة، لعل في مقدمتها ما أورده تيتوس ليفي عن كوريولانوس (Coriolanus)[9][9]. ويحدثنا ليفي بأنه عندما اشتد برم النبلاء بالعامة، لاعتقادهم بتوسع سلطانهم عن طريق تعيين حماة الشعب (التربيون)، وعندما حلت بمدينة روما المجاعة من جراء ندرة المؤن فيها، مما أرغم مجلس الشيوخ على طلب القمح من صقلية، اقترح كوريولانوس، وكان خصماً للعامة، ان الوقت قد حان لإيقاع العقوبة بهم، وحرمانهم من السلطات التي حصلوا عليها على حساب النبلاء. وهكذا أشار كوريولانوس بالإبقاء على العامة جياعا، ونصح بعدم توزيع الحنطة المستوردة عليهم. وعندما وصلت نصيحته إلى أسماع الشعب، ثارت ثائرته، واشتد سخطه على الرجل، وبلغ هذا السخط حداً كاد يعرضه للقتل، عندما كان يغادر مجلس الشيوخ، لو لم يسرع حماة الشعب (التربيون) إلى الدفاع عنه. ولا ريب في ان المرء يرى في هذا الحادث، صحة ما سبق لي قوله، وهو ما في لجوء الجمهوريات إلى خلق متنفس مشروع لغضب الجماهير، من ضرورة وجدوى، ولا سيما بالنسبة إلى مواطن معين، وذلك لأن انعدام الطرق الطبيعية يدفع الجماهير إلى طرق وأساليب غير عادية، تؤدي حتماً إلى نتائج اكثر سوءاً من الطرق العادية.

والسبب في هذا، انه على الرغم من احتمال ارتكاب الخطأ عند إيقاع العقاب بمواطن بالطريقة العادية، الا ان من النادر، أو من المستحيل ان يقع أي اضطراب في الجمهورية، إذ لا يكون هناك عند تنفيذ الحكم مجال لاستئنافه إلى قوات خاصة أو أجنبية، ومثل هذه الحالات هي التي تؤدي إلى انهيار الحريات المدنية. وعلى النقيض من ذلك، فأن القوة التي تستخدم تكون صادرة عن سلطة عامة تعمل ضمن حدود معينة، ولا تحاول هذه القوة تخطي هذه الحدود للقيام بأعمال قد تؤدي إلى دمار الجمهورية.

ولا أرى بي حاجة إلى دعم هذا الرأي بإيراد أمثلة أخرى من العصور القديمة، بالإضافة إلى المثل الذي أوردته عن كوريولانوس. إذ يجب في هذا الصدد على الجميع، في أي حال من الأحوال، إمعان النظر في الويلات التي كان من المحتوم ان تتعرض لها الجمهورية الرومانية، لو تمكنت الجماهير من قتله على ذلك النحو الفوضوي، إذ ان هذا القتل سيكون عملاً من أعمال الانتقام الشخصي الذي يستثير الخوف، مما يؤدي إلى القيام بعمل دفاعي لدرء الخطر، وهذا يقود بدوره إلى حشد الأنصار، الذي يعني في حد ذاته تأليف الأحزاب في المدينة. وهو ما كان يقضي، حتما، بسقوطها أو انهيارها. أما وقد سويت القضية على أي حال، على أيدي أشخاص مزودين بالسلطة اللازمة، فلم يعد ثمة منفذ لوقوع الشرور التي كانت ستنجم حتماً، لو سويت القضية عن طريق السلطة الفردية.

ولقد رأينا في عصرنا الحاضر ابتكارات أدخلت في جمهورية فلورنسا بسبب عجز الجماهير عن إيجاد المنفذ الطبيعي للأهواء التي استثارها أحد المواطنين من أبنائها في نفوسهم. وقد وقع هذا في الوقت الذي غدا فيه مركز فرانسيسكو فالوري في المدينة مشابهاً لمركز أي أمير في مدينة أخرى. وقد اعتبره الكثيرون رجلاً طموحاً ينتظر منه ان يلجأ بسبب جرأته، وشدة نشاطه إلى أساليب غير دستورية. ولما لم يكن هناك سبيل آخر لمقاومته الا عن طريق تشكيل حزب منافس، فقد نتج عن ذلك،انه شرع في جمع الأعوان لحماية نفسه، وذلك لأنه لم يكن يخشى شيئاً الا إذا اتخذت خطوات غير استثنائية. ولما لم تكن هناك من الناحية الأخرى لدى خصومه وسائل عادية متوافرة للقضاء عليه، فقد حزموا أمرهم على استخدام وسائل أخرى، وهكذا قرروا حمل السلاح ضده. ولو تمكنوا في مثل هذه الحالة من معارضة فالوري بالوسائل الدستورية، لتحقق وضع حد لسلطته دون الإضرار بأي شخص آخر عداه، أما وقد دعت الحاجة إلى إتباع الأساليب غير الدستورية، فان الضرر لم يلحق به وحده، بل لحق بالكثيرين من المواطنين النبلاء أيضاً.

وفي وسع الإنسان ان يقدم تأييداً للنتيجة التي توصلنا إليها قبل قليل، حادثة أخرى وقعت فعلاً في فلورنسا بعد هذه الحادثة بقليل. وهي تتعلق ببيرو سوديريني[10][10]، وهي عائدة إلى افتقار هذه الجمهورية إلى أية وسيلة تستطيع بواسطتها اتخاذ إجراء قانوني ضد الطموح الذي قد يبديه بعض المواطنين الأقوياء. فالحكم على مواطن قوي يستلزم ان يصدر عن اكثر من ثمانية قضاة. ومن الواجب ان يكون عدد القضاة كبيراً، لأن قلة عددهم تجعلهم يعملون طبقاً لما ينتظر من القلة ان تعمله. ولو كانت هذه هي الحالة لتمكن المواطنون اما من اتهامه إذا أساء السلوك، وفي مثل هذه الطريقة يجدون متنفساً لما يشعرون به من غيظ وعداء، دون ان يضطروا إلى طلب تدخل الجيش الأسباني، أو لما جرؤوا إذا لم يكن سلوكه سيئاً، على القيام بأي إجراء ضده، خشية ان يعرضوا أنفسهم لخطر الاتهام. وهكذا كان من المحتم ان تتوقف الشهوة التي ولدت الفضيحة عن العمل في كلتا الحالتين.

وهكذا نصل إلى الاستنتاج القائل بإنه عندما تستدعي فئة من الناس تقيم في مدينة من المدن القوى الأجنبية لمساندتها، فان من المسلم به ان هذا الاستدعاء ناجم عن النقص الموجود في دستور تلك المدينة، من حيث عدم توفيره المنظمة التي تؤمن المتنفس لأحاسيس الشر التي يتعرض لها جميع الناس، والذي يغنيهم عن اللجوء إلى الأعمال غير الدستورية. وتقوم الطريقة المثلى لسد هذا العجز في توفير العدد الكافي من القضاة الذين يمكن توجيه الاتهامات أمامهم، وفي النظر إلى القضاء على انه مهمة نبيلة وشريفة.

وقد وفرت روما جميع هذه الأمور بشكل ضمن في جميع المنازعات الكبرى، التي نشبت بين مجلس الشيوخ والعامة، عدم تفكير أي من الفريقين، أو أي مواطن فرد، باستدعاء القوى الأجنبية إلى المدينة، إذ ان توافر العلاج في الداخل قد أبعد الحاجة إلى البحث عنه في الخارج. وعلى الرغم من ان الأدلة التي أوردتها حتى الآن كافية لدعم نظريتي، وما أراه، فإنني عازم على الإتيان بدليل جديد آخر، استقيته من تاريخ تيتوس ليفي. فهو يروي انه حدث في مدينة كلوسيوم، التي كانت تعتبر اعظم مدن توسكانيا في ذلك الحين، إن اعتدى شخص يدعى كولومون على عفاف شقيقة شخص آخر يدعى آردنز، ولما وجد هذا نفسه عاجزاً عن الوصول إلى العدالة، بسبب ما يتمتع به خصمه من قوة ونفوذ، مضى إلى الغاليين الذين كانوا يسيطرون آنذاك على المقاطعة التي نطلق عليها الآن اسم "لومبارديا"، وناشدهم المجيء بقواتهم المسلحة إلى كلوسيوم، مشيراً إليهم ان من مصلحتهم الثأر له من الحيف الذي لحق به. ولو تمكن آردنز من إحقاق حقه، عن طريق قوانين المدينة، لما استثار قوات البرابرة على مدينته...

***

عن نوع الشعوب التي تحتم على الرومان قتالها ومدى الإصرار الذي أظهرته هذه الشعوب في الدفاع عن حريتها
... وذا كان هناك من يسأل نفسه، كيف يحدث مثلاً ان تكون الشعوب القديمة اكثر تعشقاً للحرية من شعوب اليوم، فإنني اعتقد بأن الرد على هذا السؤال يقوم في ان هذا الوضع ناجم عن نفس السبب الذي يجعل الناس اليوم أقل جرأة مما كانوا عليه في الماضي، وهو سبب يقوم كما أظن في الخلاف الموجود بين تعليمنا وبين التعليم في الأيام الغابرة وذلك نتيجة للبون الموجود بين ديانتنا اليوم وديانة تلك الأيام. فديانتنا التي علمتنا الحقيقة والطريقة الصحيحة في الحياة، تقودنا إلى التقليل مما نوليه من تقدير للتكريم الدنيوي. وهذا هو السبب الذي يدعو "السادة" الذين كانوا يجلون هذا التكريم الدنيوي اكثر من إجلالنا له، والذين كانوا ينظرون إليه كخير ما يأتيهم من خير، وهي نظرة تتمثل في أعمالهم التي انطبعت بطابع التفوق في العنف على ما يطبع أعمالنا منه. ويتضح هذا في الكثير من أنظمتهم. ولنبدأ أولاً بالمقارنة بين عظمة قرابينهم والتواضع الذي يميز قرابيننا. فطقوس تقديمنا للقرابين رقيقة وناعمة، بدل ان تكون آمرة وقوية، وليس فيها من عرض للشجاعة أو للشراسة. أما طقوسهم، فلم تكن تفتقر إلى الفخفخة ولا إلى الروعة، وكانت هناك بالإضافة إليها مراسيم قربانية يكثر فيها سفك الدماء، وتتميز بالقوة والشراسة، إذ تذبح فيها أعداد كبيرة من الحيوانات. وكانت هذه المناظر بالنسبة، إلى فظاعتها، تحمل الناس على اكتساب صفة الفظاعة أيضاً. يضاف إلى هذا ان الديانة القديمة لم تكن تضفي الأمجاد السماوية على الرجال الا إذا كانوا مفعمين بالأمجاد الأرضية، كقادة الجيوش مثلاً، وحكام الجمهوريات. وقد مجدت ديانتنا المتواضعين من الرجال والميالين إلى التأمل بدلاً من تمجيد رجال العمل، وقد وضعت للرجل مثله العليا في الخير والتواضع وإنكار الذات واحتقار الأشياء الدنيوية، بينما وضعت الديانة الأخرى للرجل مثله العليا في العظمة والقوة البدنية، وكل ما يدعو إلى بعث الجرأة في قلوب الناس. وإذا كانت ديانتنا تطلب من الرجل ان يكون قوياً، فأن القوة التي تطلبها فيه هي ما يمكنه على احتمال الآلام لا على القيام بالأمور التي تتطلب الجرأة.

ويبدو ان هذه الصورة من صور الحياة قد أدت إلى إضعاف العالم، وإلى تقديمه فريسة سائغة للشريرين الغلاظ القلوب، الذين يقومون على إدارته بنجاح وأمان، طالما انهم يعرفون ان عامة الرجال الذين اتخذوا من الفردوس غاية لهم، يدرسون الطريقة المثلى للاحتمال، لا الطريقة المثلى للثأر لما أصابهم من أضرار. ولكن على الرغم مما يبدو على العالم من ضعف وتخنث وعلى الرغم مما يبدو على السماء من عجز، فأن هذا الوضع ناجم ولا ريب عن إحجام أولئك الذين فسروا ديننا في حدود "دعه يعمل" لا في حدود الشجاعة وتعابيرها. إذ لو فكر هؤلاء بأن الدين يسمح لنا بأن نمجد وطننا وان ندافع عنه، لرأوا انه يريد منا أيضاً ان نحبه ونجله، وان ندرب أنفسنا على النحو الذي يمكننا من الدفاع عنه.

ولا ريب في ان هذا الشكل من أشكال التربية، وهذه التفاسير السيئة والخطيرة، هي التي تدعو إلى الحقيقة الماثلة، وهي اننا نرى في العالم عددا أقل من الجمهوريات مما كان عليه في الأيام السالفة، واننا لا نجد تبعاً لذلك لدى الشعوب نَفسَ تعشّق الحرية الذي كان قائماً لديها في الماضي.

...

على أي حال، ومهما كان الوضع، واجه الرومان في جميع أنحاء العالم، مهما كانت صغيرة، التحاماً يضم عدداً من الجمهوريات الحسنة التسلح، والعنيدة عناداً متطرفاً في الدفاع عن حريتها، مما يظهر انه لو لم تكن فضيلة الرومان [شجاعتهم]، من طراز نادر ورفيع للغاية لما تمكنوا أبداً من التغلب عليها. وأني لأكتفي بسرد مثال واحد، يقيم الدليل على صحة ما أقول، وهو مثال السمنيين. فمن الأمور البارزة كما يعترف ليفي، ان يكونوا على هذا النحو من القوة وان تكون أسلحتهم على هذه الدرجة من المضاء، بحيث استطاعوا ان يصمدوا أمام الرومان حتى أيام بابيريوس كيرسور، القنصل، وابن بابيربوس الأول، أي ان يصمدوا أمامهم مدة ست وأربعين سنة على الرغم من الهزائم المفجعة التي منوا بها، وعلى الرغم مما لحق بمدنهم من خراب، وبسكان بلادهم من تقتيل وذبح، وهي مذابح بلغت من ضخامتها إلى الحد الذي غدت فيه هذه البلاد التي كانت مأهولة في الماضي بعدد كبير من المدن والسكان، خالية مهجورة، بعد ان كانت ذات يوم حسنة النظام قوية، وكان في مكنتها ان لا تقهر لو لم تواجه فضيلة كفضيلة الرومان.

ترجمة: خيري حمّاد


--------------------------------------------------------------------------------

[1][1] جيرولامو سافونارولا (1452-1498): مصلح إيطالي وواعظ، اتهم بالهرطقة وحرمه البابا. أصبح حاكما في فلورنسا، ثم أودع السجن وشنق وأُحرق. يعتبر من أوائل دعاة الإصلاح الديني.

[2][2] بورجيا (Borgia): أمير ورجل دين إيطالي، من ابرز شخصيات عصر النهضة الإيطالية دخل سلك الكهنوت رغم كرهه للحياة الكنسية. عُرف بالمغامرة والذكاء الخارق، وبأنه الجندي الأقوى والدبلوماسي الماهر، إلى جانب استخفافه بالقيم الخلقية وكثرة رذائله مما دفع بمكيافيلي ان يتخذه نموذجا لكتابه "الأمير".

[3][3] تيتوس ليفي (أو ليفيوس) (Titus Levy) (59 ق.م.-17م.): مؤرخ روماني مشهور. عُرف بميوله الجمهورية أثناء الحرب الأهلية.

[4][4] ليكرجوس (Lukourgos): من مشرعي إسبارطة الأسطوريين، وقد وضع نظم الدولة بعد قيامه بعدة رحلات للاستطلاع.

[5][5] صولون (Solon): مشرع أثينا العظيم، انتخب في عام 594 ق.م. قاضيا لقضاة أثينا لوضع حد للخلافات بين أحزابها الثلاثة وهي النبلاء والتجار والفقراء، فوضع شرائعه التي تضمنت التنظيم الدستوري والقضائي والسياسي والاقتصادي وقد افلح في وضع عدد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية في المدينة.

[6][6] بيزيستراتوس (Pisistratus): سياسي أثيني بارز (612-527 ق.م.). حكم أثينا حكما طغيانيا ثلاث مرات. كان صديقا لصولون.

[7][7] روملوس (Rumulus): مؤسس روما الأسطوري وأول ملوكها (753-715 ق.م.)، غذته ذئبة بحليبها وهو طفل مع أخيه التوأم واحتضنه أحد الرعاة، ونشأ بطلا. استعان بصعاليك القوم في القبض على زمام الأمور.

[8][8] الغراتشيين (Grachi): اسم يطلق على أخوين أولهما تايبيريوس سمبرونيوس غراشيوس (167-133 ق.م.)، والثاني غايوس سمبرونيوس (158-121 ق.م.). وقد أصبح الأول حاميا للشعب عام 133، ووضع قانون الإصلاح الزراعي، بينما غدا الثاني حاميا عام 124 ق.م.، وقد لعبا دورا في إضعاف مجلس الشيوخ.

[9][9] غايوس كوريولانوس هو بطل أسطورة رومانية قديمة, فقد نفاه العامة من روما في عام 491 ق. م. وفر إلى بلاد الفولسكي، حيث عينه ملكها قائدا لجيشه. وسرعان ما زحف على روما، ولم يثنه عن عزمه على احتلالها إلا مجيء أمه وزوجته وأطفاله. وتقول الأسطورة ان أهل الفولسكي قتلوه عند عودته دون احتلال روما. وقد جعل شيكسبير من أسطورته موضوعا لإحدى مسرحياته.

[10][10] الشخص الذي تولى رئاسة الحكم الجمهوري في فلورنسا بعد طرد آل مديتشي، ولكنه أُخرج منها عام 1512 وكان مكيافيلي من رجاله ووزرائه.




مدونة النــأي
مدونـة موسوعـة شارع المتنبـي
منتديات موسوعـة شارع المتنبــي


موقعي في الحوار المتمدن - إنجليزي
http://www.ahewar.org/eng/search.asp?name=1&U=1&site=1&title=1&code=eng&Q=fatima+elfalahy&submit1=Search
موقعي في الحوار المتمدن - عربي
http://www.ahewar.org/m.asp?i=2548


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://hifati.fr.cc
 

مكيافيلي - مختارات من كتاب : المطارحات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» قصة كتاب البلاغه
» بخصوص كتاب هباج
» كيف أستطيع رفع كتاب الكتروني للمنتدى؟؟؟
» عرض كتاب :البرامج التربويه للافراد ذوي الاحتياجات الخاصه
» ادخل لعدد من المكتاب برابط واحد وحمل اى كتاب

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ليـــــــــــــل الغربــــــــــــــــــــــــــة ::  :: -